لقد أدركت النظريات الاقتصادية أهمية الادخار لمعالجة إشكاليات الدورة المالية ليس من خلال سعر الفائدة بل خلال مستوى الدخل القومي كونه أهم مدخلات الاقتصاد الكلي وتحليلاته لذلك عرفه ادم سميث بأنه نموذج للثروة قائم على التراكم الرأسمالي أي أن الازدهار المالي لابد أن يسبقه ادخار لزيادة رأس المال الثابت في هجومه على تبديد النظام الإقطاعي للثروة أما الاقتصادي ريكاردو فإنه يرى أن التقدم الاقتصادي هو ثمرة للإنتاج الذي يتبعه فائض أكبر يدخر ليعاد استثماره وفق مفهوم الاستثمار التلقائي.
واجتماعيا قيل انه احد الأركان المالية الأربعة للأسرة بالإضافة إلى(التامين، حساب الطوارئ، الاستثمار) وفق مبدأ بسيط وهو أن الذي تملكه اليوم يمكن ان تستهلكه مستقبلا مع ما يحمله من درجات متفاوتة في التضحية، واقتصاديا قيل انه فائض الدخل عن الاستهلاك.
واليوم يعد الادخار جوهر الأزمة من خلال تشابك عناصر الاقتصاد العام والاقتصاد الاجتماعي لذلك جاءت محاولات الإنقاذ لحماية موجودات المصارف ولمعالجة نقص السيولة بعد سياسات لم تراع أهمية الادخار بقدر ما ركزت على تسويق خدمات الإقراض المفرط، حيث كان الفرد عام 1916 يدخر ما يعادل 35% من راتبه ومع نمو وتنوع الخدمات المصرفية في مطلع الثمانينات وصولا إلى 2003 أصبح 70% من راتبه الشهري يذهب لسداد القروض.
ان ما تعرض له الاقتصاد الدولي عائد لغياب الاستراتيجيات الادخارية من أجندة السياسات المالية التي أدركت أن واقع الأزمة كان نتاج التركيز المفرط على الإقراض وتسهيل عملياته على حساب قياس معدلات الادخار نتج عنه ضياع لقيم ضمانات الاقتراض الاستثمارية من جهة وضياع قيم المدخرات من جهة أخرى من خلال أسباب منها:
1- مبالغة الإيمان بالعقار كضمانة ادخارية أدى إلى تضخم القيم السوقية للعقار يفوق واقع قيمتها الاستثمارية وتبعه إقراض أنهك معه جودته كعنصر ادخاري طويل الأمد وتحوله إلى أداة مضاربة استثمارية.
2- ضعف تحكم السياسيات الاقتصادية في ظروف ودرجات الادخار من خلال الأدوات المالية(الدخل، معدلات الفائدة، حجم الضرائب، التامين الاجتماعي، الاستقطاعات التقاعدية).
3- عدم إدراك أهمية الادخار الاقتصادية من خلال تركيز الخطط الاقتصادية على المتغيرات قصيرة المدى وتجاهل استراتيجيات التنبؤ بالمتغيرات الاقتصادية متوسطة وبعيدة المدى.
4-المؤسسات المصرفية لم تدرك خطورة مؤشرات سلبية الادخار الفردي واعتمادها على أسواق المال والنشاط العقاري لتأمين السيولة التي نضبت اليوم وأدركت أهمية بناء المصارف من جديد على الادخار واستثماراته.
5- مبالغة السياسات المصرفية في تسويق الاقتراض وتسهيلاته كان لها أكبر الأثر على إضعاف الادخار.
6- المبالغة في تبني النظرية المالية الحديثة «نظرية الاختيار» والتي يصفها ميلتون فريدمان بالاختيار الاجتماعي كونه كفيلا بإحداث التوازن الاقتصادي من خلال أداء الأفراد الاستثماري واتجاهاتهم كهياكل مالية ولكن الواقع أثبت عدم انضباط المبدأ في قياسه المالي.
7-القارة الاسيوية أدركت أهمية الادخار ولكن تدفق ادخارها أرهق الغرب الذي لم يع العبرة من كسادين سابقين وتوسع في خلق الأصول الاستثمارية بدلا من الادخار.
8- أما الادخار في مجال الطاقة البشرية الخطأ فيه تمثل في المراهنة على التعيينات والتدريب كأداة لتحقيق التطوير مع إغفال المحافظة على الخبرات مما اضعف الثقة في القرارات الإدارية والاستثمارية.
9- بالرغم من انهيار قيم الموجودات الاستثمارية إلا أنه لا توجد مؤشرات معدلات قوية لنمو الادخار والأسباب عائدة لما سبقه من إقراض فاق 170% لقيم الأصول والسداد اليوم تشوبه مهددات استقرار وظيفي كضمانة لدخل الأفراد.
وجاء الأداء الأوروبي لحماية الادخار متمثلا في ثلاث خطط مالية بدأت بالإنقاذ المصرفي ثم شراء الحكومة حصص مصرفية وآخرها إعطاء الضمانات المالية وفي نهاية المطاف سوف تنتهي بطباعة العملة لدعم الاقتصاد برمته، وأسباب إخفاق أدائها فتمثل في الآتي:
1- الإنقاذ في مرحلته الثانية يرفع حصة الحكومات من35 إلى 70% فهو أشبه ما يكون باستحواذ سوف ينعكس على خفض حاد لقيم مدخرات حملة الأسهم.
2-إنقاذ المدخرات أغلبه ينصب في المصارف وإهمال الأوجه الاستثمارية الأخرى الكفيلة بإنعاش الاقتصاد.
3-عدم القيام بدعم الإنفاق الحكومي الذي يعتبر مشجعا للقطاع الخاص وليس مهددا له.
أما اقتصادات الادخار الخليجي فقد تميزت في جانب بحسن الأداء تمثل في زيادة الإنفاق في الاستثمار الداخلي منذ 2001 بنسبة 25% على شكل بنية تحتية من طرق وخدمات وفي جانب ينقصه حقيقة جوهرية ألا وهي إدراك أن «ديمقراطية القائد» تكمن في خلقه لشبكة من المستشارين وعليه يتوجب على المصارف المركزية الخروج من جمودها وخلق فرص تشاور مالي متمثلة في المؤتمرات وفتح قنوات الاتصال للتحاور حول الأوضاع المالية ومعوقاتها وفق ما يعرف «بالخطاب المالي الحر» بالإضافة إلى إعداد دراسات تحليليه لتطوير مواضيع الاستقطاعات التقاعدية وضماناتها وصيغ استثمارها وبناء الثقة في الادخار بالتركيز على إنعاش دوافع الادخار الاستثمارية في المنطقة.
اما في مجال الادخار على شكل استثمار دولي فقد كان جوهر أداء المستثمر الخليجي «صفقات الإيميل ودفع تكاليف المستشارين» واهم ملامحه هي:
1-التركيز على قيم استثماريه تتميز بعنصر مخاطرة عالية كاستثمار قصير الأمد مثل الحصص المصرفية وإغفال أهمية التركيز على القيم الاستثمارية التي تتميز بأقل عنصر مخاطرة في فترات تضخم القيم السوقية أو أن تكون الأولى استثمارات بعيدة الأمد.
2-أسلوب التمويل أشبه بالشامل أو القصير الأمد(1-3) سنوات في استثمارات يتوجب تمويلها بالاقتراض بعيد الأمد(10-15) لزيادة فرص إمكانية التنازل بأقل الخسائر حال تعذر السداد أو سلبية الموجودات.
3-عدم إدراك حقيقي لمفهوم استخدام سعر الفائدة الثابت والمتغير للتمويل الاستثماري فمع أن أسعار الفائدة كانت في القمة اختارت الاستثمارات الخليجية التمويل بسعر الفائدة الثابت والذي يتوجب اختياره حال تدني أسعار الفائدة التجارية.
وفي الختام يتعين على الدول العربية الخروج من سلبية الأداء في الكساد والمتمثل في العودة إلى الصفر ومناقشة مواضيع مثل البطالة والاستثمار البيني على نحو لا يرتقي فيه إلى دور التقييم الاقتصادي بل مازال في الإطار الوصفي.