في أواخر الشهر الماضي، عقدت في دبي ندوة بعنوان «الحوار الثقافي العربي الألماني»، نظمتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وضمّت كتّابا من الجانبين، العربي والألماني وقد تلقيت دعوة مشكورة للاشتراك فيها.

ويتضح من الأوراق التي أرسلت الى المشتركين أن الندوة ترمي الى بحث أمرين، الأول: السبل لعقد حوار متصل بين الجانبين العربي والألماني (أو الأوروبي بوجه عام) بهدف تعميق فهم كل من الطرفين للآخر، أملاً في أن يؤدي هذا الفهم الأعمق إلى التخلص من كل ما يمكن أن يسيئ إلى العلاقة بينهما، مما يسمى أحيانا (بالصراع) وأحيانا (بالإرهاب)، بل والعمل على تقوية هذه العلاقة على أساس من التقدير المتبادل، ومن احترام كل طرف لآمال وطموحات الطرف الآخر.

والثاني: وسائل النهوض بجهود الترجمة، من كلا الجانبين: ترجمة الإنتاج الثقافي الألماني إلى اللغة العربية، وبالعكس. إن هذا النهوض بحركة الترجمة يمكن بلا شك أن يساعد على تحقيق الهدف السابق (أي تعميق فهم كل من الطرفين للآخر) ولكن لاشك أن الترجمة يمكن أيضا أن تحقق للعرب أهدافا أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، الارتفاع بالمستوى الثقافي والمعرفي للمواطن العربي، سواء تعلق هذا بنقل معارف فنية وعلمية متخصصة، أو بنقل مؤلفات في «الإنسانيات»، كالتاريخ والآداب والفلسفة والعلوم الاجتماعية. هذا الارتفاع بالمستوى الثقافي في العالم العربي يمكن أن يساهم بدرجة أو بأخرى في تحقيق النهضة العربية المنشودة، أو الإسراع لها أو التمهيد لها.

يمكن أن أشير إلى الهدف الأول، اختصارا، بكلمة «الحوار»، وإلى الهدف الثاني بكلمة «النهضة». فكان الهدف من هذه الندوة هو المساهمة في تحقيق هذين الهدفين: تعميق الحوار وتوسيعه، والتمهيد للنهضة أو التعجيل بها.

وقد طلب مني أن أدلي بدلوي في موضوع «الترجمة» بالذات. ورحبت بالدعوة مدفوعا بشعورين: الأول شعوري بأن حالة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية متردية للغاية، كمّا ونوعا، والثاني شعوري بأن الخروج من حالة التردي هذه يمكن بالفعل بأن يؤدي خدمة جليلة لقضية النهضة العربية، لو تم طبعا لخطة مدروسة بعناية وبعيدة المدى.

أما تردّى حالة الترجمة في العالم العربي، فهو أمر يعترف به الجميع، وسبق أن أكدّه ذلك التقرير الشهير الذي صدر منذ أربعة أعوام عن برنامج الأمم المتحدة للإنماء، بعنوان «التنمية الإنسانية العربية» وعنوان فرعى: «نحو مجتمع المعرفة». كان هذا التقرير واحدا من أربعة تقارير تحمل كلها العنوان العام (التنمية الإنسانية العربية) وأثارت ضجة كبيرة وقت صدورها، ورحبت بها بشدة دوائر واسعة، في داخل العالم العربي وخارجه.

بما في ذلك دوائر سياسية مهمة، حتى لقد اقتطفها وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت، بل والرئيس الأمريكي، واستخدمها كأحد مبررات الهجوم الأمريكي على العراق! وكأنه يقول: «مادام التخلف العربي قد وصل إلى هذا الحد، فلماذا لا تقوم الولايات المتحدة بهجوم عسكري على العالم العربي، لتمدينه والنهوض به»؟!

ولكن هذه التقارير تعرضت أيضا لهجوم شديد من بعض الكتاب العرب، وكنت من بين هؤلاء، إذ لم أشعر بأي تعاطف إزاء هذه التقارير، لا في ذلك الوقت ولا الآن، ليس بسبب أنها تقول شيئا غير صحيح، ولكن لأنها تذكر مجموعة من أنصاف الحقائق، وبطريقة مدهشة وغير معهودة من شأنها أن تثير الشك في الغرض من إصدار هذه التقارير في ذلك الوقت بالذات.

أما أنها تقول «أنصاف حقائق» فيظهر من أنها لا تتعرض قط لمناقشة (أو حتى ذكر) الأسباب التي أدت إلى فشل العرب في هذا الأمر أو ذاك (بما في ذلك مجال الترجمة)، أو تذكر أسبابا سطحية تحتاج بدورها إلى تفسير (كالقول إن فشلا ما يرجع إلى غياب الديمقراطية مثلا) دون التعرض إلى ما وراءها من أسباب، مما يترك دائما انطباعا بأن الفشل يرجع إلى شيء في طبيعة العرب أنفسهم، ومن ثم نقدم تبريرا للاعتداء عليهم وإذلالهم.

وأما الطريقة المدهشة وغير المعهودة، فأقصد بها لجوء منظمة من منظمات الأمم المتحدة لإصدار تقارير بهذا العنف ضد مجموعة من الدول الأعضاء في هيئة الأمم، وهو ما لم تجر العادة به من قبل، وكانت هذه المنظمات حريصة دائما على تجنبه.

أما القول بأن حالة الترجمة متردية في العالم العربي فهو قول حقيقي لا شك فيه. ولكن هذا التردي ليس إلا مظهرا من حالة التردي العام، في الاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة، ومن الصعب أن نتصور أن تتحسن حالة الترجمة دون أن تتحسن أمور كثيرة أخرى. ومع هذا فإننا لابد أن نبدأ من نقطة ما، أو من عدة نقاط في الوقت نفسه، عسى أن يساهم التحسن في حالة الترجمة مثلا، في النهوض بأمور أخرى، ثم ينعكس هذا في حالة الترجمة وغيرها من جديد، وهكذا حتى تحدث النهضة العامة.

ما الذي نقصده بالضبط بالقول بتردي أوضاع الترجمة في العالم العربي؟ هناك أولا التردي من حيث الكمّ، أي ضآلة عدد الأعمال المترجمة إلى العربية، سواء بالنسبة لعدد السكان أو لعدد المتعلمين.

ولكن الأهم من ذلك سوء توزيع جهود الترجمة بين فروع المعرفة المختلفة، فالكتب والأعمال الأدبية أو العلمية عالية المستوى لا تحظى من جهود الترجمة بمثل ما تحظى به كتب التسلية والإثارة. الأهم من هذا وذاك انخفاض مستوى الترجمة نفسها بصرف النظر عن موضوع العمل المترجم. فأنت تقرأ كثيرا من الكتب أو المقالات المترجمة إلى العربية فيصيبك الإعياء في محاولة فهم ما يحاول المؤلف أن يقوله.

وقد صادفت أمثلة كثيرة، وأنا أقرأ كتابا أو مقالا مترجما، اضطررت فيها، لكي أفهم الكلام، إلى محاولة تخمين ما يمكن أن يكون عليه اللفظ الأجنبي المترجم، وكأن معرفة اللغة التي يترجم منها قد أصبحت شرطا لفهم الترجمة العربية!

هناك من يمكن أن يرد على هذا النقد بأحد القولين:

الأول: أننا يجب ألا نبالغ في أهمية معرفة ما قاله أو كتبه الآخرون، فنحن لدينا من تراثنا ما يغنى عن اللجوء إلى الآخر. والقول الثاني: أن هناك طريقة أفضل من الترجمة للتعرف على أفكار الآخرين وإنتاجهم، وهى تعلم لغتهم. فالترجمة مهما كانت جودتها لن تمكنّك من فهم ما كتبه الآخرون مثلما تمكنك قراءته بلغته الأصلية. بماذا يمكن أن نردّ على هذين الموقفين من قضية الترجمة في علاقتها بالنهضة العربية المأمولة ؟

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu