أعلن الكرملين أن ملف الدرع الصاروخية الأميركية،واتفاقات نشر عناصر هذا الدرع على أراضي شرق أوروبا، لم تكن مطروحة على جدول أعمال الرئيسين الروسي والأميركي، خلال لقائهما الذي عقد على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ APEC في العاصمة البيروية ليما.وقد اتفق الرئيسان ميدفيديف وبوش على مواصلة التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في «المجالات العملية» بغض النظر عن الخلافات القائمة بين البلدين.

وقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف أن الزعيمين قد اتفقا على مواصلة الحوار لحل الملفات الحيوية لمصالح البلدين،والمشاكل الاقتصادية وقضايا الأمن، والتفاهم على الخطوات الضرورية لتذليل الأزمة المالية العالمية.

ولم يكن ممكنا أن يتوصل هذا اللقاء لأكثر من ذلك، فالرئيس الأميركي بوش لم يتبق له سوى بضعة اسابيع يغادر بعدها البيت الأبيض، ليحل محله الرئيس المنتخب أوباما. وميدفيدف منشغل بإجراء إصلاحات داخلية بدءا من مكافحة الفساد وانتهاء بإعادة ترتيب وتنظيم الكرملين من الناحية القانونية عن طريق التعديلات الدستورية التي أدخلها مؤخرا على مدة الرئاسة وجعلها ستة سنوات بدلا من أربعة.

والأهم من هذا كله أن الأزمة المالية تلقى ظلالا ثقيلة، تجعل كل القادة يؤجلون بحث الملفات الساخنة إلى حين التوصل لحلول عملية قادرة على إيقاف الأزمة ومعالجة اوضاع الأقتصاد العالمى.

ويمكن القول ان لقاء ميدفيدف ـ بوش استهدف بالدرجة الأولى تطمين واشنطن بأن زيارة الرئيس ديميتري ميدفيديف إلى دول أميركا اللاتينية ليست موجهة ضد الولايات المتحدة.

وأن ما يتردد عن أن موسكو تزحف بالقرب من الحدود الأميركية ونعبث بحديقتها الخلفية ليس أكثر من أوهام من بقايا عقلية الحرب الباردة.ويبدو أن هذا الأمر الأقرب للصحة، باعتبار أن روسيا لا تسعى لتوسيع دائرة المواجهة مع الولايات المتحدة، بقدر ما تسعى لإيجاد أسواق ومنافذ لمنتجاتها، بهدف الخروج من حالة الاقتصاد وحيد النشاط، الذي بدأ يواجه تهديدا بالانهيار.

ويدرك الغرب حقيقة الموقف الروسي، وهذا الإدراك هو السبب الحقيقي، لقرار الجمعية البرلمانية للناتو الداعي لاستئناف التعاون بين بلدان الحلف وروسيا، في كافة المجالات بما فيها المجال العسكري. وقد أعرب قرار برلمان حلف شمال الأطلسي عن قناعة راسخة لدى الدول الأعضاء بوجود العديد من الملفات الحيوية المشتركة بين الحلف وروسيا، بدء من مواجهة مخاطر الإرهاب، ومرورا بالحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، وبشكل خاص برنامج إيران النووي والصاروخي، وانتهاء بإحلال الاستقرار في أفغانستان.

ومع ذلك تبقى مبررات توتر العلاقات بين موسكو وواشنطن أو الغرب بشكل عام قائمة طالما لم يتم حسم مصير خطط نشر الدرع الصاروخية الأميركية، وملف ضم كل من جورجيا وأوكرانيا إلى عضوية الناتو..!

باعتبار أن إصرار الولايات المتحدة على انجاز هذين الموضوعين يعبر عن سوء نوايا تجاه علاقة التعاون مع روسيا، بل يعبر أيضا عن مساعي أميركية لفرض حصار عسكري حول روسيا، وكشف مواقعها استعدادا لتوجيه ضربات ضدها في المستقبل، أما تجميد هذه الخطط فيعبر عن حرص حقيقي لتطوير التعاون مع روسيا واحترام مساعيها على الساحة الدولية لإحلال الاستقرار، وصيانة الأمن الدولي.

لم يكن مطلوبا من بوش أن يجري حساب الأرباح والخسائر من علاقات بلاده مع روسيا، ولكن هذا الحساب لابد وأن يجريه خلفه باراك أوباما، حتى يحسم أمره واختياراته، وفيما إذا كان يسعى بالفعل لوضع آليات جديدة في العلاقات الدولية تحترم حقوق ومصالح مختلف أطراف المجتمع الدولي.

وإذا كان يريد أوباما تجنب الملفات التي تزيد من التوتر وتهدد التفاهم والاستقرار الدولي فلابد أن يدرس قراره الخاص بمصير خطط الدرع الصاروخية، وموقف بلاده من ضم أوكرانيا وجورجيا لحلف شمال الأطلسي، وبعد أن يتخذ قراره ستتمكن موسكو من رسم ملامح واضحة لعلاقات التعاون بين البلدين.

كاتبة روسية

jannamarat@km. ru