اتصل أحدهم يتساءل عن دور الأخ الأكبر الذي أصبح غائبا في الأسر، ولم يعد لهذا الشخص الأدوار الكبيرة والمهمة التي كان يلعبها سواء في غياب الأب أو حتى في وجوده.
كانت الأسر فيما مضى تدعم هذا التوجه وكان الأبوان ينميان هذا الجانب عند الأخ الأكبر فيكون العضد لأبيه في تربية ورعاية ممن يصغرونه من إخوته.
يقول المتصل الذي لم يتمكن في حواره المطول من تحديد من تقع عليه مسؤولية ضياع ذلك الدور أو على الأقل تبيان الأسباب الحقيقية لتهميش سلطة الأخ في البيت، ربما كان ذلك بسبب إيقاع الحياة الجديد الذي أصبح كل واحد في الأسرة يعيش عالمه الخاص به، وله أصدقاؤه ورفاقه فلم تعد الحاجة كبيرة لمن يقدم تلك الرعاية التي كان يقدمها الأخ الأكبر.
ويواصل حديثه فيقول: هذا الغياب شبه عام في كل البيوت سواء تلك التي لا يزال الأبوان فيها على قيد الحياة أو تلك التي توفاهما الله فيها، الأمر سيان.
ولم يعد الأخ الكبير حتى في غياب الوالدين يحتوي أشقاءه الصغار فيكون لهم السند والظهر، بل تراه مشغولا بحياته الخاصة أسرية كانت أم غير ذلك.
هذا الأمر يراه قارئنا العزيز غريباً على مجتمع كان غياب الأب يطول عن البيت، فيكون الابن الكبير الذي يطالبه العرف الاجتماعي بأن يخاويه في غيابه أو حتى حضوره، ويحتوي إخوته ويرعى أمه ويفرط في دلالها ويمثل برعايته لأسرته حصنا لمن فيها.
اليوم لم يعد الحال كما كان فلا الأب يخاوي الابن، ولا هذا أصبح فاعلا، وما الانحرافات الكثيرة وضياع الصغار إلا نتيجة طبيعية لغياب دور كان يمثل الكثير.
ويقول المتصل: إنها تفاصيل قد يراها البعض صغيرة في نسيج العلاقات الاجتماعية وترابط الأسر لكنها، في غاية الأهمية، لأنها نشأت بين الناس على فطرتهم في تعاملهم اليومي وفي طرائق التربية التقليدية بعيدا عن علمائها وخبرائها..
بل تلقوها ممن سبقوهم وتناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل، ووصلت إلينا ثم أصبحت في خبر كان مثل غيرها من الأشياء الجميلة في حياتنا التي اختفت ولم يعد لها وجود في ذكريات ومخيلة من عاش زمنا جميلا.
