المعطيات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم، تمليها ظروف زاد من حدتها الاجتماعية أنها جاءت على خلفية هبوط مالي في أسواق المال العالمية، تبعه انهيار مالي في السوق العقاري مع وجود رابط مركزي للأزمة، ألا وهو التعامل المالي المصرفي الذي نتج عنه إحداث نمو اقتصادي غير مستقر كونه قائماً على الإقراض، بالإضافة إلى خلقه لقيم سوقيه تفوق بكثير واقع أصولها المالية إلى حد تعدي الإقراض موجودات المصارف ذاتها.
وتأتي أهمية القطاع المصرفي كداعم أساسي للنمو الاقتصادي، ليس وفق مفهوم السيولة فحسب، بل لكونه داعماً لعنصر أهم ألا وهو الثقة الاستثمارية التي تقوم على عدد من المحددات، مثل: قدرة القطاع المصرفي على تزويد السوق بالسيولة اللازمة لإنعاش الاستثمار، وقدرة النظام المصرفي على دعم سوق الخدمات المصرفية وفق «الإقراض البيني»، ومناعة النظام المصرفي ضد احتمالات الإفلاس.
إن واقع الأداء المصرفي في الأزمة العالمية الحالية يركز على نظريتين، أولاهما نظرية إحداث الشراهة السوقية الاستثمارية القائمة على الإقراض غير المبرر والبعيدة عن معايير دراسة المخاطر الاستثمارية، بالإضافة إلى تبنيه فكرة ديمقراطية التملك العقاري للجميع، أي أن يكون التملك العقاري في متناول جميع الفئات الاجتماعية.
إلا أن إطلاق نظرية الشراهة الاستثمارية أو الإقراض الاجتماعي كداعم صحي للاقتصاد من خلال زيادة التملك، ليس مثالياً للجميع وتحت كل الظروف، خصوصاً لكون التطبيقات الحالية اتسمت بإقراض عقاري قائم على القطاع الخاص بشكل رئيسي، وانتشار الإقراض العقاري في فئات أكثر تأثراً بسياسات التسريح العمالي وعدم الاستقرار الوظيفي، وانتشار الإقراض في فئة محدودي أو متوسطي الدخل دون إخضاعها للتدقيق الائتماني.
لقد أدى الأخذ بمفهوم اقتصاد العولمة على إطلاقه إلى إضعاف تركيز الدولة على تطوير أدائها الذاتي في التعامل مع المخاطر الاقتصادية، لتبنيها سياسات الانفتاح الاقتصادي بالإضافة إلى عدم تطويرها لمفاهيم دراسة المخاطر، ما نتج عنه تهميش دور الدولة في المتابعة والتقييم وأحدث أزمة غير مبررة أعقبها تدخل حكومي محدود زاد من حدة الأزمة.
مثل سياسة استحواذ الدولة على المؤسسات المالية المهددة بالانهيار، وضخ السيولة للمصارف لدفع عجلة الإقراض اللازمة لإنعاش الاقتصاد، وخفض سعر الفائدة من قبل المصارف المركزية لمعالجة شح السيولة، إضافة إلى رفع التعويض الحكومي لحقوق المودعين بنسب وصل بعضها إلى 100%.
إلا أن أغلب هذه المحاولات لم تحل دون استمرار الأزمة المالية أو تحد من آثارها المستقبلية مع جديتها، وهذا عائد لعدة أسباب، من أهمها:
1- عدم الاستفادة من الأزمات المالية السابقة (أزمة المصارف اليابانية 1980، أزمة المصارف المكسيكية 1990، الأزمة المالية بالسويد 1990) والتي كان أفضلها الممارسات المصرفية للسويد.
2- إتباع سياسات الاستحواذ الكلي من قبل الحكومة على المؤسسات المصرفية مقابل الدعم المالي، مما أدى إلى تهميش القوة التنافسية للمصارف، بل وأدى إلى انهيار الثقة بدل دعمها.
3- الدعم المالي الهائل من قبل الحكومات للمصارف، مما حد من قدرة الحكومة في مجال الإنفاق الاجتماعي الذي يعد الضحية الرئيسية للممارسات المصرفية الخاطئة.
4- عدم إدراك تلك الدول بداية أن المصدر الحقيقي لأزمة السيولة ليس قلتها ولكن أماكن تواجدها، حيث إن انهيار النظام الإقراضي سببه العقار وضعف الإقراض المصرفي البيني.
5- عدم إدراك الحكومات أهمية خلق فرص العمل ومحاربة البطالة كضمانة أساسية للاستهلاك لضمان أداء اقتصادي جيد.
6- التعاطي الأمني مع مفاهيم وممارسات اقتصادية تحت مفهوم محاربة الفساد، بعيداً عن دراسة واقعية للبيئة الاستثمارية يقوم الإصلاح فيها على أساس تشريعي موضوعي كفيل بالحفاظ على الخبرات البشرية وصيانة الموجودات المالية ودعم الثقة الاستثمارية.
7- ضعف دور صندوق النقد الدولي الذي لم يتطور ليكون المقرض الأخير للنظام الائتماني في حال الأزمات، بدل المصارف المركزية للدول الثرية التي أدى عجزها إلى إحداث أزمة عالمية.
8- قصور دور المصارف المركزية كرقيب على الائتمان والاقتصاد، حيث لم يتعد دورها الاهتمام بقياس التضخم، في وقت يتطلب فيه الأداء العمل وفق نظرية «المعادلة الكاملة»، أي استراتيجيات تشمل عدداً من المعطيات في آن واحد (الدين العام، سعر الصرف، التضخم، السيولة، الأداء الاقتصادي، البطالة).
9- تبني سياسات تضيق نطاق الأنشطة المصرفية أو العودة إلى المفهوم الضيق للمصرف كضمانة لحقوق المودعين، وحرمانه من ممارسة أنشطة قد تحتمل عنصر مخاطرة عالية.
وينبغي إدراك حقيقة أن الأزمات الاقتصادية دائماً ما تحمل في طياتها بذور التغيير والتطوير، فأزمة الكساد العظيم في الخمسينات أعقبها إنشاء مؤسسات التمويل العقاري وضماناته، كما أن عمق الأزمة سوف يكون أخطر متى امتد أثره إلى قطاع الاستثمار التأميني الذي يعد أهم من نشاط الإقراض العقاري للمصارف، كونه العصب الحقيقي لضخ السيولة.
تبقى الضرورة الملحة أمام دول الخليج العربي لإدراك أهمية عدد من الآليات الاقتصادية، وهي:- ضرورة إنشاء مؤسسات مالية قادرة على حماية الحياة الاجتماعية في الأزمات الاقتصادية، والحيلولة دون الوصول لحالة من الكساد الاقتصادي.
- تطوير مفهوم إدارة المخاطر ليشمل جميع الأنشطة الاستثمارية.
- دعم مفهوم الشفافية وإيصال المعلومات المتعلقة بالأداء الاستثماري من واقع الممارسات السوقية.
- إيجاد تشريعات مالية كفيلة بمنع المضاربات على السلع والخدمات، لتفادي الإنفاق الاستثماري غير المدروس والذي ينتج عنه تغيير في القيم الحقيقية للأصول الاستثمارية. - دراسة واعية لمفهوم التضخم المزدوج، والذي يعرف بفقد العملة المحلية لقدرتها الشرائية بسبب رفع الأسعار لارتفاع القدرة الشرائية للأفراد كعامل مصاحب لزيادة الأجور، وتخفيض سعر الفائدة الذي قد يحقق خفضاً مؤقتاً للتضخم.
إلا انه يؤدي إلى ارتفاع القيمة النهائية للسلع أو التصحيح الحاد نتيجة عزوف المستهلك. وعلى التحليل الاقتصادي أن يتميز بالإدراك الموضوعي للأزمة المالية، خاصة وأنه باعث على الثقة وهو الأهم، من خلال عدم المبالغة بآثار الأزمة محلياً، وذلك للأسباب التالية:
1- نسبة مشاركة المصارف الأجنبية في دولة الإمارات لا تتجاوز 20% من إجمالي القطاع المصرفي.
2- التمويل العقاري لا يتجاوز 7% من النشاط المصرفي، وأغلبه خاضع لشركات التمويل الإسلامي بضمانات تفوق 70%.
3- انخفاض السيولة لا يتعدى 14%، وهذا لا يعتبر مهدداً لنظام السيولة إذا أخذنا في الاعتبار أزمات سابقة وصل فيها معدل الانخفاض إلى 50% (حرب الخليج الأولى)، مع وجود مناطق أمان لرؤوس الأموال دولياً، أما اليوم فالوضع الداخلي أكثر أماناً.
4- تمتع الدولة بخبرة أكثر من 25 عاماً في التعامل مع تعثر الأداء المصرفي، سواء جراء الاحتيال أو الإقراض الضعيف.
5- تمتع الدولة بمداخيل تفوق 130% عن الأعوام السابقة كفيلة بالتدخل الجيد.
كاتب إماراتي: