ٍلم تول القيادة الفلسطينية، لدى توقيعها اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993)، العديد من القضايا الأساسية، وضمنها، مثلا، موازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية الملائمة أكثر لإسرائيل، وتحكم إسرائيل بأوضاع الأراضي المحتلة.
وبالأخص فهي لم تول الاهتمام المناسب لطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، بتكويناته وتبايناته وتعقيداته، وتاليا فهي لم تأخذ في حسبانها انعكاسات كل ذلك، على إمكان تنفيذ إسرائيل للاستحقاقات التي أخذتها على عاتقها في هذا الاتفاق، من عدمه.
من المعروف أن القيادة الفلسطينية كانت وقعت هذا الاتفاق تحت ضغط التداعيات الإقليمية والدولية الناجمة انهيار الاتحاد السوفييتي، وحرب الخليج الثانية (1991)، وبعد وطأة ستة أعوام من الانتفاضة (1987 ـ 1993)، وفي ظل المحاولات الأمريكية والإسرائيلية لعزلها، ما تجلى في عدم إشراك قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بشكل مباشر، بمؤتمر مدريد للسلام (1991).
والحاصل فإن لجوء هذه القيادة لخيار أوسلو، في ظل هذه الظروف والمعطيات والضغوطات، جعلها معنية، أكثر من أي شيء أخر، بإضفاء الشرعية على هذا الخيار والترويج لمحاسنه، إلى درجة دفعتها إلى نسج الكثير من الأوهام حوله.
هكذا تم التعاطي مع اتفاق أوسلو باعتباره أمرا منتهيا ومرحلة انتقالية في مسيرة التسوية، سينجم عنها انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي الفلسطينية، تمهيدا للمرحلة الأخيرة من المفاوضات التي يتم بمقتضاها، إيجاد حل نهائي لقضايا: القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود وغيرها من الترتيبات الثنائية.
وفق هذا التصور كان المفروض باتفاق أوسلو أن يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، عاص متها القدس الشرقية، وإلى إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين، مع إمكان إنشاء نوع من علاقات التعاون الاقتصادي التي تساهم في تحقيق الاستقرار والازدهار الاقتصادي بين إسرائيل ودول المنطقة، عموما، إلى الدرجة التي تمكّن، وبمساعدة الدول المانحة، من تحويل الأراضي المحتلة إلى «سنغافورة» أو «هونغ كونغ» في الشرق الأوسط!
طبعا، لم يحدث أي من هذه الأمور، وقد تكشفت هذه الطروحات عن أضغاث أحلام وعن تهويمات أو رغبات ذاتية، تعشعش في رؤوس أصحابها. فبعد سبعة أعوام على أوسلو (أي حتى انتفاضة العام 2000) لم تنسحب إسرائيل تماما سوى من 18 بالمئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وأبقت على مئات الأسرى (من المعتقلين قبل أوسلو) في سجونها، ولم تسلم المعابر إلى السلطة، وواظبت على مصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وبناء المستوطنات، لتكريس الاحتلال كأمر واقع، وتقييد إمكان تطور الكيان الفلسطيني.
وكانت النتيجة الطبيعية لهذه التملصات الإسرائيلية، اندلاع الانتفاضة، ومن ثم انتهاج إسرائيل كل قوتها الوحشية والتدميرية لوأد مقاومة الشعب الفلسطيني ولفرض أملاءاتها عليه، ما أدى إلى تدهور العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بصورة لم تشهدها أية فترة سابقة.
اللافت أن الانتفاضة الكبرى (1987 ـ 1993)، التي أسميت انتفاضة الحجارة، أفضت إلى عملية أوسلو، وإلى جلب قيادة وكوادر ومؤسسات منظمة التحرير إلى الداخل، وفتحت المجال لعملية بناء الكيان الفلسطيني، وزرعت الأمل بإمكانية التعايش بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، في دولتين. أما انتفاضة 2000، التي اتسمت بطابع المواجهات المسلحة.
فقد شهدت أقصى حالات العنف المتبادل، مع تعمد إسرائيل قمعها بالحديد والنار وبوسائل الحصار والدمار، لاسيما مع تعمد الفلسطينيين انتهاج خط العمليات الاستشهادية؛ ما أفضى إلى عودة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مربعه الأول، وإلى مصطلحات الحرب الوجودية والإفناء المتبادل، وتقويض عملية التسوية برمتها.
عموما، فثمة أسباب متعددة سياسية وأمنية وأيدلوجية، محلية ودولية، أدت إلى انهيار هذا الاتفاق المجحف بحق الفلسطينيين، والذي اعتورته الكثير من الالتباسات والتناقضات. ولكن ما نود قوله هنا هو أن طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، ساعدت كثيرا على الإطاحة بهذا الاتفاق، وسهلت على إسرائيل التملص منه، وهو الأمر الذي لم توليه القيادة الفلسطينية عنايتها، كما قدمنا، كما لم تلحظه كثير من التحليلات التي فسّرت انهيار تجربة أوسلو.
المفارقة أن النظام السياسي الإسرائيلي، والذي تتشدق به إسرائيل، باعتباره نظاما ديمقراطيا مؤسسيا وقانونيا، هو بالذات لعب دورا كبيرا في تبرير التهربات الإسرائيلية، من عملية التسوية مع الفلسطينيين، بحكم عوامل متعددة أهمها:
1 ـ إن طبيعة الديمقراطية السياسية في إسرائيل، وتبني مبدأ الانتخابات النسبية، تتيح لكل المجموعات والتيارات التعبير عن ذاتها، وتكفل لها الوصول إلى مقاعد الكنيست الإسرائيلي. هكذا أتاح هذا النظام للأحزاب الصغيرة، وضمنها الأحزاب المتطرفة، ابتزاز الأحزاب الكبيرة وفرض أجندتها عليها.
وفي ظل هذه الأوضاع بات لوبي المستوطنين، الذي يمثل حوالي 250 ألف إسرائيلي، أكثر نشاطا من أي لوبي أخر، في المجتمع الإسرائيلي، وهو بالطبع تيار يعارض عملية التسوية لأسباب أيدلوجية وسياسية وشخصية؛ وبذلك بات هذا التيار وكأنه يتحكم بأجندة المجتمع الإسرائيلي بكامله، كما بات يتحكم بمسارات عملية التسوية!
2 ـ اعتماد السياسة الإسرائيلية في القضايا المصيرية على الإجماع. والمعنى من ذلك أن قضية مصيرية، كقضية التسوية مع الفلسطينيين، بأبعادها التاريخية والرمزية، لا يمكن حسمها في إسرائيل على أساس من المعادلة الديمقراطية التي تتعلق بموازين القوى في الكنيست.
3 ـ تزايد نفوذ الأحزاب الدينية في المجتمع الإسرائيلي، وتزايد حصتها في الكنيست.
4 ـ عدم تمكن أية حكومة منذ توقيع أوسلو من استكمال فترتها الدستورية، إذ شهدت إسرائيل، خلال الفترة الماضية، حالا من عدم الاستقرار السياسي. وهكذا فإن مختلف الحكومات الإسرائيلية، سواء كانت في ظل حكم حزب الليكود أو حزب العمل.
ثم كاديما، ذهبت إلى الانتخابات المبكرة في المفاصل الحاسمة، بدعوى عدم قدرتها في ظروفها على تمرير استحقاقات أوسلو؛ وهذا ما سيحصل على الأرجح مع الحكومة الحالية (حكومة كاديما والعمل).
الثابت، أيضا، أن الفوضى الفلسطينية، ساهمت هي الأخرى بتسهيل هذا الأمر على الإسرائيليين، إن عبر الخطابات الديماغوجية أو عبر العمليات الاستشهادية. ولكن حتى لا نحمل الوضع الفلسطيني فوق طاقته، فمما لاشك فيه أن تغير المعطيات الدولية والإقليمية.
كاتب فلسطيني : kayali@scs-net.org