ما إن بدأت المعارك العسكرية في إقليم أوسيتيا الجنوبية بين القوات الجورجية والقوات الروسية، وبدأت سفن الأسطول الروسي تتحرك من قاعدته في ميناء سينفروبل الأوكراني في مياه البحر الأسود، لفرض حصار على جورجيا يستهدف أولا منع وصول الإمدادات العسكرية الأميركية والأجنبية بشكل عام إلى القوات الجورجية لإجبارها على الانسحاب إلى قواعدها.

ومن أجل منع حدوث اضطرابات في المنطقة، حتى سارعت الحكومة الأوكرانية لإصدار إنذار للقوات البحرية الروسية، بأنها لن تسمح للقطع البحرية الروسية التي ستشارك في عمليات عسكرية ضد جورجيا بالعودة إلى قاعدتها في الميناء الأوكراني مصرحة بأنها لا تود التورط في النزاع المسلح. ووقع الرئيس الأوكراني مرسوما يلزم أسطول البحر الأسود الروسي بإشعار أوكرانيا حول تحركات سفنه وطائراته عبر حدود أوكرانيا، ولا يجوز تحركها إلا بعد الحصول على موافقة من قبل الجانب الأوكراني.

وكان من البديهي أن يأتي رد الفعل الروسي كما عبر عنه نائب رئيس هيئة الأركان الروسية الجنرال أناتولي نوغوفيتسين، بأن أسطول البحر الأسود الروسي لا يعترف بشرعية أي أوامر سوى تلك التي تصدر عن رئيس روسيا القائد العام للقوات المسلحة الروسية. واعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه من الممكن التعامل قرار القيادة الأوكرانية الأخير بشأن أسطول البحر الأسود، كمحاولة لإعادة النظر من جانب واحد بالاتفاقات المعقودة مع روسيا.

وقد كشفت تطورات المعارك عن أن أوكرانيا قامت بتجهيز القوات الجورجية بالأسلحة والمعدات العسكرية، ومنها منظومة الصواريخ (اس-200) التي أسقطت القاذقة الروسية الإستراتيجية. ولم يكتف يوشينكو بهذا القدر من التورط في الحملة العسكرية ليس فقط ضد روسيا وإنما المدنيون العزل في إقليم أوسيتيا الجنوبية الذين تعرضوا لعمليات قتل من جراء القصف الجورجى، وإنما ذهب إلى تبليسي ليشارك في مظاهرات تضامنية مع حكومة ساكاشفيلى.

انسياق يوشينكو او الهرولة لخدمة مصالح الولايات المتحدة لم تكن السبب الوحيد الذي دفعه للانصياع لتعليمات البيت الأبيض بدعم نظام ساكاشفيلى، وإنما قلقه من تكرار نفس السيناريو في شبه جزيرة القرم التي حصلت أوكرانيا عليها من روسيا في الخمسينات من القرن الماضي عندما لم يكن لترسيم الحدود بين الجمهوريات السوفييتية معنى أو أهمية سياسية، وتكرست السيادة الأوكرانية على هذه الأرض عندما تم توقيع معاهدة الصداقة بين البلدين في بداية القرن الحالي، والتي واجهت اعتراضات من العديد من السياسيين الروس باعتبار أنها تفرط بالأراضي الروسية.

وحاول يوشينكو إنقاذ شعبيته المنهارة باستفزاز المشاعر القومية، وضرورة الدفاع عن سيادة البلاد ووحدة أراضيها لتبرير موقفه ضد روسيا، إلا أن شريكته في السلطة وحليفته يوليا تيموشينكو كانت أكثر وطنية وذكاء، لأنها وضعت مصالح أوكرانيا وأهمية العلاقة مع روسيا نصب عينيها.

وأدانت قرار يوشينكو بفرض قيود على وحدات بحرية روسية ترابط في قاعدة للأسطول الروسي تقع في مدينة سيفاستوبول الأوكرانية، وخاطرت ببقائها في منصب رئيسة الحكومة.لقد أثبتت يوليا تيموشينكو أنها تدرك أهمية التحالف مع روسيا بالنسبة للمصالح الأوكرانية.

ولا يعني هذا أنها تقف ضد جورجيا، لأنها امتنعت عن التعليق على تطورات حرب القوقاز، انطلاقاً من حرصها على علاقات أوكرانيا مع جورجيا. ومما لاشك فيه أن تيموشينكو ستتمكن من إفشال سياسة يوشينكو المغامرة، خاصة بعد أن رفضت اعتماد قرارات تدعو إلى تكبيل حرية الأسطول الروسي في البحر الأسود.لأن موسكو ستواصل إمداد كييف بما تحتاجه من الغاز، ولأن الرأسمال الروسي سيواصل تعاون مع رأس المال الأوكراني ليحقق الفائدة التي ستعم على الشعبين.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru