ليس ثمة منطقة في العالم تشبه المشرق العربي بالنسبة لأهميتها الاستراتيجية الدولية والإقليمية، من النواحي الجغراسية والاقتصادية والأمنية، كما بالنسبة لحال الاضطراب وعدم الاستقرار، وربما التصدّع، التي تمر بها.

فالمشرق العربي، الذي يضم ما يعرف بمنطقة بلاد الشام وما بين النهرين، ومصر والجزيرة العربية، هو بمثابة مركز للتطورات والتحولات في العالم العربي، وهو الملتقى، والجسر، الذي يربط القارات الثلاث القديمة (آسيا وأوروبا وإفريقيا)، وفي هذه المنطقة منابع النفط، ومواطن الرسالات السماوية الثلاث.

ومعضلة المشرق العربي، في هذه المرحلة، انه يواجه قوى إقليمية ودولية عديدة تصارع من اجل السيطرة عليه، والتحكم بالتطورات الجارية فيه، من دون أن يكون له هيكلية أو ماهية، أو ذات واضحة ومتمثلة في دولة أو في نظام إقليمي؛ هذا إذا تجاوزنا الحديث عن نظام عربي، هو أقرب إلى نظام افتراضي، لافتقاده للوحدة وللفاعلية التي تضاهي الفاعلين الإقليميين والدوليين الآخرين.

هكذا، يواجه المشرق العربي على الصعيد الإقليمي، مثلا، ثلاث قوى صاعدة، فهذه إيران بقوتها النفطية والعسكرية (وضمنها احتمال امتلاكها قوة نووية)، وهي ساعية لتعزيز دورها الإقليمي عبر تصدير «ثورتها» إلى محيطها، وبتوظيف واضح للصراع العربي ـ الإسرائيلي وللعداء للسياسة الأميركية في المنطقة.

في مقابل ذلك تتقدم تركيا بهدوء لتعزيز وضعها الإقليمي، بثقلها التاريخي وقدراتها الاقتصادية ونمط نظامها الديمقراطي ـ الإسلامي المعتدل والمنفتح على الغرب. ويمكن احتساب إسرائيل، في هذا المجال أيضا، على الرغم من أنها تحمل في وجودها وجها دوليا؛ بحكم علاقاتها المتميزة بالغرب وبالولايات المتحدة الأميركية تحديدا.

أما على الصعيد الدولي، فثمة الولايات المتحدة التي ترى في وجودها في المشرق العربي ضمانة لاستمرار هيمنتها على النظام الدولي، بين ضمانات أخرى عسكرية واقتصادية وتكنولوجية. أما أوروبا فترى في هذه المنطقة (مع شمالي إفريقيا) نوعا من الامتداد التاريخي والحضاري والجيوسياسي الطبيعي لها.

وخاصة أنها تتأثر مباشرة جراء التطورات والاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في هذه المنطقة، بحكم الجوار الجغرافي، وبحكم أنها المنطقة التي تنتقل إليها موجات الهجرة من المشرق العربي (مع شمالي إفريقيا).

وطبعا ثمة روسيا، وهي مشروع إمبراطورية تسعى لاستعادة نفوذ سبق أن خسرته، في مرحلة سابقة، لأسباب أيديولوجية (في زمن الشيوعية)، وبسبب خسارتها المنافسة في السباق الدولي مع الولايات المتحدة الأميركية، وهي لذلك تسعى جاهدة، بالاعتماد على قوتها العسكرية، لمنافسة النفوذ الأميركي في أكثر من مجال، وبأكثر من طريقة.

واضح من كل ذلك أن معطيات وتشابكات هذه المنطقة جد معقدة ومتداخلة، ولا يمكن فيها الحديث عن سياسة محلية بدون بعد إقليمي، كما لا يمكن الحديث عن هكذا بعد، أيضا، بدون مداخلات دولية.

المعضلة الأخرى التي تواجه هذه المنطقة، أن الصراعات والتنافسات السياسية فيها لا تحل بالوسائل الدبلوماسية والسلمية والديمقراطية، وإنما بطرق القوة والعنف والوسائل العسكرية. هكذا، مثلا، فإن إسرائيل تبحث عن حل امني (عسكري) لصراعها مع الفلسطينيين، وفي عموم المنطقة.

حلّ يتأسّس على التسليم وليس على السلام، وعلى الغلبة والهيمنة وليس على التكافؤ والمساواة، وعلى الردع والقوة وليس على العدل والتوافق. وبذلك باتت المشكلة بالنسبة لها ليست الاستيطان والعدوان والاحتلال(!)، وإنما تخلي الفلسطينيين عن العنف وإعادة تأهيلهم لإدارة أوضاعهم!

وهذا ما يمكن سحبه على الجبهات الأخرى، فإسرائيل ما زالت تداور في الجدل العقيم بشأن تبعية مزارع شبعا، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. أما بالنسبة لاحتلالها الجولان السورية، منذ العام 1967، فهي باتت تعتبر ذلك عملا شرعيا، ومن موجبات الدفاع عن النفس ومعاقبة الآخر! بل إنها باتت تعتبر أن لها حقوقا مائية وأمنية في الجولان، وكأن الاحتلال والاغتصاب يورّثان أو يولّدان الحقوق، بدلا من أن يوجب المحاسبة بل والمعاقبة!

وفي كل الأحوال فإن المشكلة بالنسبة لإسرائيل لم تعد في واقع وجودها الاحتلالي والعدواني في المنطقة، وإنما وجود منظمات مثل حزب الله في لبنان وحركة حماس وغيرها من منظمات المقاومة في فلسطين (هذا فضلا عن إيران وسوريا)، في حين أن هذه المنظمات لم توجد إلا بسبب وجود الاحتلال ونظام القهر المنبثق عن وجود إسرائيل في هذه المنطقة.

المعضلة الثالثة التي تواجه المشرق العربي تنبثق من واقع أن الصراعات في هذه المنطقة سرعان ما تأخذ طابعا دينيا، وطائفيا، وإثنيا، ومذهبيا، بسبب من ضعف الاندماج المجتمعي، وضعف تكون الدولة ـ الأمة، أو دولة المواطنين، في هذه المنطقة الفسيفسائية. وفي هذا السياق، فهذه إسرائيل تؤسس وجودها في المشرق العربي على فرادتها كدولة يهودية.

وثمة تنامٍ ملحوظ لتيارات الإسلام السياسي الحركي، المعطوفة على العنف. ونفوذ إيران إلى تصاعد مستمر، بسبب توظيفها لعدائها مع إسرائيل والسياسات الأميركية. وثمة حركتان إسلاميتان باتتا تتصدران الصراع ضد إسرائيل (حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين). وبدورها فإن الصراعات في العراق، بسبب المداخلات الإيرانية والتوظيفات الأميركية، باتت تأخذ طابعا مذهبيا، وهي تكاد تمتد لتعم المشرق العربي، ما يهدد الدولة العربية، على ضعفها.

وعلى الصعيد الدولي فإن سياسة الإدارة الأميركية، وهي الفاعل الأكبر في المشرق العربي، ليست في وارد إصلاح الأوضاع في المنطقة، على الرغم من اللغو الأميركي الكثير في هذا المجال، وأيضا في مجال التسوية. والأخطر من ذلك أن السياسات الأميركية التي درجت على انتهاج خط إدارة الصراعات، بدلا من حلها، باتت تنحو في ظل إدارة بوش نحو خط فكفكة البنى السياسية والاجتماعية في منطقة المشرق العربي، من دون أن تهتم بعواقب ذلك، أو بإيجاد نوع من إعادة التركيب.

ومن ذلك يتبين أن إدارة بوش بمعية تيار «المحافظين الجدد»، تميل أكثر إلى الفكفكة، أو لما بات يعرف بمصطلح «الفوضى الخلاقة»، لوضع المنطقة في المجهول على أكثر من صعيد، وأكثر مثال على ذلك هو نموذج الترتيبات الأميركية في العراق منذ احتلاله عام 2003.

حيث تم تفكيك الدولة (بتقويض مؤسساتها وبحل الجيش وأجهزة الأمن)، ثم بتفكيك المجتمع إلى طوائف ومذاهب وإثنيات، ومحاولة تعميم هذا المسار في المنطقة. هكذا يمكن اعتبار كلام بوش الممجوج عن الإصلاح والدمقرطة وإقامة دولة للفلسطينيين، مجرد نوع من تقطيع الزمن، ومحاولة لتحسين صورة السياسة الأميركية، وفقط.

ومن ذلك يمكن الاستنتاج أن منطقة المشرق العربي، وبسبب هشاشة النظام العربي وضعف المجتمعات العربية، يمر بمرحلة انتقالية وبتحولات نوعية جد صعبة ومعقدة.

وإذا استمر الحال على ما هو عليه، يخشى أن هذه المنطقة لا تسير باتجاه إعادة التشكيل والاندماج، المجتمعي والدولي، وإنما نحو المزيد من التفكك والتشقق وربما التصدّع، وهذا ما ينبغي الانتباه له، وتالياً العمل من أجل تفويته.

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.org