كانت صدمة للكثيرين إعلان المملكة العربية السعودية القبض على (520) شاباً شكلوا (5) خلايا إرهابية لضرب منشآت نفطية وعسكرية في المنطقة الشرقية ومبررات هذه الصدمة أن الكثيرين وبخاصة من المتابعين لجهود السعودية في مكافحة العمليات الإرهابية ظنوا أن الإرهاب قد لفظ أنفاسه وانتهى ولكن ها هو الإرهاب يطل برأسه من جديد وبهذا العدد الكبير.
وبتلك المخططات الجهنمية التي لولا يقظة الأمن وسرعة مبادراتها وإجهاضها لتلك المخططات لحلت كارثة بترولية وبيئية على منطقة الخليج بأسرها مثلما حصل عندما عمد النظام العراقي السابق إلى حرق آبار البترول في الكويت.
وإذا تذكرنا أن المواجهة الأمنية النشطة قد نجحت على امتداد (5) سنوات في إحباط أكثر من (194) عملية إرهابية، فضلاً عن تصفية (3) قوائم أمنية متتالية، هالنا أن يتمكن الإرهاب من اصطياد (520) شاباً وكثيراً ما سمعنا بعض المسؤولين السياسيين والأمنيين يرددون عبارات مثل (اجتثاث الإرهاب) و(اقتلاعه من جذوره) و(تجفيف منابعه) ولكن الواقع المشاهد يقول شيئاً آخر تماماً!! الواقع العربي يشهد انتعاشاً للعمل الإرهابي في العديد من مناطقه.
ما دلالات كل ذلك؟ أولى الدلالات أن الخطر الإرهابي - خليجياً وعربياً ودولياً - خطر حقيقي ومتفاقم وليس كما يصوره بعض (الواهمين) مجرد (فزاعة) أميركية ضد العالم، والخطر الإرهابي يشكل أكبر تهديد لمجتمعاتنا لا كما يظن هؤلاء الصحفيون (المناضلون) الذين قالوا في استطلاع للرأي: إن خطورة أميركا على المنطقة أعظم من خطورة الإرهاب.
أما ثانية الدلالات فهي أن كل الدراسات والاستطلاعات التي تشير إلى تراجع شعبية القاعدة في العالم الإسلامي، إما أنها تتجاهل المد الواسع للعنف في الساحتين العربية والإسلامية، وإما أنها تحاول تجميل الصورة الخارجية. والأعجب أن نسمع أن هناك مؤتمراً عالمياً لاقتلاع جذور الإرهاب !! وكأن الإرهاب فسيلة يسهل اقتلاعها بالمؤتمرات!!
أيها السادة كفانا ضحكاً على أنفسنا وعلى الناس، الإرهاب شجرة غائرة الجذور له منظروه ومفتوه وخطباؤه وإعلامه ومناهجه وممولوه ورعاته سواءً على مستوى المجتمع المحلي أو الإقليمي، تشير التقارير إلى أن هناك (3) دول إقليمية تحولت إلى ملاذ للإرهابيين، وقد جعلت تلك التنظيمات من أراضي تلك الدول معسكرات للتدريب والدعم اللوجستي الذي تقدمه لعناصرها في (مناطق الفتن).
أما الدلالة الثالثة والأخطر لتفشي هذا الفكر القاتل فهي خطأ (التشخيص) لظاهرة الإرهاب، ذلك التشخيص السطحي الذي يرى الإرهاب ما هو إلا مجرد (رد فعل) ل(مظالم) أميركا ضد المسلمين في أفغانستان والعراق وفلسطين.
أو رد فعل ل(عنف) السلطة العربية، أو (صرخة) احتجاج ضد شيوع المعاصي والمنكرات وخروج المرأة، أو أنه وليد (الفقر) والبيئة المطحونة، وقد أبعد من زعم أنه (إفراز) أيدلوجي لعصر الهيمنة الأميركية و(رد فعل) ضد العولمة، ولعل أخبث التشخيصات تلك التي تزعم أنه رد فعل للتطرف (العلماني).
كل هذه التشخيصات التي تتوسل بذرائع خارجية، تشخيصات مغلوطة هدفها الأساسي خدمة أجندة أيدلوجية لجماعات تنازع السلطة فتستغل الظاهرة الإرهابية لترويج أطروحاتها، وتقدم نفسها للجماهير باعتبارها ممثلة ل(الوسطية والاعتدال) القادرة على كبح جماح التطرف وحماية المجتمع والنظام.
وهي مزاعم لا سند لها من الواقع ينقضها أن تلك الجماعات هيمنت طويلاً على المناهج والمنابر والمؤسسات وفشلت في تحصين شبابنا أمام غزو الفكر المتطرف.
إن الإرهاب يفسر نفسه بنفسه وليس بحاجة إلى البحث عن دوافع خارجية، الإرهابيون أنفسهم يعلنونها صريحةً أن هدفهم دولة (دينية) على نمط (طالبان) وأن عملهم (جهاد) وأن منطلقهم (العقيدة) فلماذا المناورة والخداع الجماهيري بالنفخ في الذرائع الزائفة؟!
بينما (خالد شيخ محمد) العقل المدبر لهجمات سبتمبر يقرر أنه سيعترف بالتهم الموجهة لأنه يريد أن يموت (شهيداً) نجد قطاعاً جماهيرياً عريضاً ورموزاً دينية وأمنية مازالت على قناعاتها الأولى بأن هجمات سبتمبر من عمل (الموساد) أو (المخابرات الأميركية) لضرب الإسلام !!
علينا أن نعترف أن مظالم أميركا طالت كل المجتمعات وأن شعوباً كثيرة تعاني الفقر وأن المعاصي والمنكرات ملازمة للإنسان، لكن لا أحد يفجر نفسه من أجل تلك الأمور، فلماذا يفجر المسلم نفسه؟!
الحياة عزيزة والانتحاري المسلم لا يضحي بنفسه إلا من أجل الغالي والنفيس، وهو إذ قرر أن يغادر هذه الحياة ويفارق الأهل والولد فمن أجل (عقيدة) غلابة ومستحكمة، إنها عقيدة (الجهاد) التي يظنها طريقه إلى (الجنة) ونعيمها.
وان كل المحاولات الرامية للتهرب من هذه الحقيقة نوع من خداع الذات ودفن الرأس في الرمال. لا أحد يطالب بعدم تدريس الجهاد ولا مبرر لذلك، ولكن يجب تدريس الجهاد وفق منظور عصري يتواءم وواقع العلاقات الدولية لا واقع عصر (الخلافة) القديم.
وكما هو في الكتب الفقهية، ومن هذا المنطق لا ينبغي السماح كما يقول الكاتب السعودي (علي سعد الموسى) - للخطيب في مسجده الجبلي -صارخاً باكياً- أحوال (إخوتكم) في الشيشان والسودان وغزة وأفغانستان ويسيل صوته كالشلال الهادر مقرعاً الجموع أمامه التي تقاعست عن نصرة الإخوة حسب مفهومه للجهاد -.
فمثل هذه الخطب النارية فضلاً عن التهيئة التعليمية المغلوطة هي التي تبرمج عقول شبابنا وتجعلهم مشاريع للشهادة!! ويأتي كبار مشايخنا ليستنكروا الإرهاب وليصفوا هؤلاء الشباب بأنهم فئة (ضالة) ! من الذي ضللهم؟ أليس هو ذلك الخطيب المحرض ؟ وأليس هو ذلك المعلم الذي لقنهم الجهاد تلقيناً عدوانياً ؟ فلماذا نحاكم المغرر بهم ولا نحرك ساكناً ضد المحرضين والملقنين؟!
سيظل الإرهاب - معربداً - في الساحة ما لم تواكب الجهود الأمنية جهوداً فكرية تقوم على تجديد الخطابين التعليمي والديني، وتأهيل المعلم والداعية تأهيلاً ثقافياً مستنيراً. معركتنا مع الإرهاب ستطول ما دامت هناك (منابر) دينية تزرع الكراهية وترسخ التعصب وتشيع الإقصاء وتدعو على الأمم الأخرى بالهلاك.
سيبقى الفكر الإرهابي - مزدهراً - ما دام مشايخ (التكفير) يحرضون على المثقفين وهم في مأمن من المساءلة.
ستستمر معاناة مجتمعاتنا من ويلات الإرهاب ما دام هناك من يبذر له، ومن يبرره ويلتمس له معاذير خارجية، ومادامت (محاضنه) دافئة وآمنة.