عندما أستقبل اتصالاً هاتفياً من أحد الأصدقاء الذين ينتمون إلى بعض المناطق البعيدة عن المدينة نوعاً ما، أجد صعوبة ومشقة في الاستمرار بتلك المكالمة، حيث تبدأ رحلة العذاب كالتالي: «السلام عليكم، كيف الحال؟ كيف الأخبار؟ كيف الأهل؟ الله يسلمك، وكيف الوالد؟ والإخوان؟ الله يسلمك، وما الجديد؟ أين أنت يا رجل؟ الله يسلمك..» وتستمر المكالمة على هذه الحال لخمس دقائق على أقل تقدير.
تلك كانت المقدمة، ثم ينتقل المتحدث إلى (متن) المكالمة التي تتخللها المزيد من (السلامات) والاطمئنان على كل من يعرفهم ومن لا يعرفهم، وعندما يصل المتحدث إلى الخاتمة يبدأ مشوار تحيات جديد كالتالي:
«زين سمعنا صوتك، الله يخليك، الله يسلمك، سلم سلم، الله يسلمك، مشكور ما تقصر، الله يسلمك، مر علينا، خلنا نشوفك، الله يسلمك، مشكور مشكور، مع السلامة مع السلامة مع السلامة».
وأذكر مرة أنني كنت بصحبة أحدهم والتقينا برجل أجنبي في إحدى الأمسيات الثقافية، فسأله صديقي عن حاله:»»وٌُّ فْم ؟ُِّ؟ فأجاب الرجل بأنه بخير، ثم سأله زميلي عن زمن وصوله، ثم سأله مرة أخرى: «فَل وٌُّ فْم ؟ُِّ؟» فرفع الرجل حاجبيه مستغرباً وقال له بأنه بخير، وقبل أن يهمّ صديقي بسؤاله عن حاله مرة ثالثة أخذته من يده واستأذنت من الرجل وانصرفنا.
كنت ومازلت أفكر في سبب هذه العاطفة الجياشة المتدفقة لدى العربي، وأتساءل إن كان معظم الشرقيين لديهم نفس التدفق أم أنها صفة اختصّ بها العرب! زرت مرة إحدى القرى البعيدة في عمان، وعندما دخلنا على صديقنا ـ الذي توقعنا أن يستقبلنا لوحده في البيت ـ وجدنا مجلسه يغص بالرجال والصبية من مختلف الأعمار.
وبعد أن جلسنا سألنا شيخ القبيلة الذي كان يتصدر ذلك المجلس عن الشخص الذي ننتدبه من بيننا لإعطائه (علومنا) أو أخبارنا التي حملناها معنا من الإمارات، وفي طرفة عين وقع الاختيار عليّ ـ وأظنه أمر دبّر بليل بين أصدقاء الرحلة ـ ثم هطل عليّ سيل من الأسئلة التي حمدت الله أنني تدربت على الإجابة عليها لاحتكاكي الدائم بمختلف فئات المجتمع، ولولا ذلك لكنت من عداد المنشقين عن التقاليد والخارجين عن القانون... وربما المارقين من الدين!
في ثقافتنا العربية يهتم العربي بالموروث التراثي ويسلّم به دون أن يقف على أصل ذلك الموروث أو حتى فائدته، ويتعامل معه في أحيان كثيرة كتعامله مع مسلمات الدين. بل يذهب البعض إلى رفض أي حديث أو ملاحظة على أي عادة أو تقليد عربي قد لا يفيد الثقافة العربية أو حتى الإنسان العربي البسيط في بعض الأحيان.
فالتقاليد عندهم لها جذور ضاربة في التاريخ وعميقة في الزمن، يعتقدون بأن أي تقديم فيها أو تأخير سيودي بالأمة إلى الهلاك وسيسلخ الأجيال القادمة من هويتها.
وفي الطرف الآخر فريق ينبذ كل التقاليد ويرميها بالرجعية ليؤسس عادات جديدة ويؤطرها ببعض مفاهيم الحداثة والمدنية المفرغة من القيم ويجسدها في ممارساته اليومية وطريقة تفاعله مع الحياة في مختلف جوانبها، بل إنه يذهب إلى البحث عمن يطمئنه بأن هذه الممارسات ما هي إلا جزء من أدبيات القرن الجديد الذي أصبح العالم فيه قرية صغيرة تحمل صفات مدينة كبيرة، في مفارقة عجيبة يصعب تشخيصها من زاوية واحدة.
أعود إلى العاطفة التي أظنها سبب اندفاعنا وسبب تمسكنا بالماضي خيره وشره، وسبب تهويلنا للأمور وتبسيطنا لها في أحيان كثيرة. حيث تقودنا عاطفتنا الجياشة إلى الاعتقاد دائماً بأن رأينا صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ لا يحتمل الصواب.
بعض العاطفة جهل، والجهل فكر وإن خلا من الفكرة، وأن نستمر في تقديس كل شيء لأنه من الماضي ويحمل تراث الأجداد فإن ذلك جهل يشوش الرؤية ويشوه المنظر.
لا شك أن التراث ـ وأعني هنا العادات والتقاليد ـ يشكل جزءاً من هوية الأمم ويرسخ استقرار المجتمعات ويعطي الدول صبغة ويمنح الشعوب صفات وأشكالاً مختلفة ومتشابهة، ولكن ليس كل ما يأتينا من الماضي عريق، وليس كل ما نطق به الأجداد حكمة!
فالأجداد مثلاً كانوا يختبئون في بيوتهم أو في المساجد عندما تتزوج بناتهم ليهربوا من العار الذي لحق بهم! والأجداد أيضاً كانوا يرفضون ذكر أسماء زوجاتهم أو بناتهم أو حتى أمهاتهم مع العلم أن كلّنا يعرف أسماء زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأسماء الصحابيات اللائي حظين بشرف الدنيا والآخرة، واليوم يقلّد كثير منا الأجداد في هذه التقاليد التي لا تمت إلى الإسلام والمنطق الإنساني بصلة معللّين ذلك بأنه العرف والتقليد.
لقد آن الأوان أن نخضع هذا التراث للفحص والتمحيص، وآن الأوان أن نقف وقفة حق مع أنفسنا ونعلن استقلالنا عن (بعض) تلك التعاليم التي رهّلت المجتمع ودفعت ببعض أبنائه إلى التخلف وببعضهم الآخر إلى الانسلاخ.
ولكي نستطيع البدء بذلك فعلينا أن نعطي عواطفنا إجازة دون راتب وأن نمعن الفكر في الماضي والحاضر لنحصد الفكرة في المستقبل، فخير لنا ألا نفكّر أبداً من ألا نفكّر مليّاً.
كاتب إماراتي