لا توجد أدنى صلة بين المقاوم والمرتزق، فالأول يقاتل من أجل قضية عظيمة، والثاني يشارك في المعارك من أجل منفعة مادية. والمقاوم يثبت على مبادئه ومواقفه طالما وافقت روح الجماعة التي يعمل معها، وتماشت مع القضية التي يؤمن بها، أما المرتزق فيبدل ولاءه حسب مصلحته، التي لا تخرج في أغلب الأحوال عما سيتقاضاه من أجر نظير حمل السلاح.

وإذا سعى المقاوم إلى الحصول على مقابل مالي نظير مرابطته أو نضاله أو نزاله تحول إلى مرتزق، كما أن المرتزق بوسعه أن يكون مقاوما إن تخلى عن أجره، وعن الجيش النظامي الذي يقاتل في صفوفه، وانضم إلى أي حركة نضال شعبية، ترفع السلاح في وجه عدو خارجي أو حاكم جائر.

ويختلف المرتزق عن الجندي النظامي الذي يقاتل دفاعا عن وطنه، ويعتبر أن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية واجب عليه كمواطن، وجزء أساسي من المصلحة القومية التي تعود على الأفراد جميعا بالنفع، حين يعيشون في اطمئنان ويمارسون حياتهم اليومية في أمان، لأن القوات المسلحة تحمي الحدود وترعى الحمى وتقف في وجه أي عدو طامع.

ولهذا فإن مختلف تعريفات المقاوم أو المناضل تتفق على إيجابيته وطهر مسلكه، وتحمل قدرا جليا من تشجيع الناس على أن يحذو حذوه. أما الارتزاق فيحمل صورة سلبية على الدوام، سواء في المعاجم اللغوية أو القواميس العلمية المتخصصة، أو عند مختلف المفكرين والمؤرخين والفلاسفة وخبراء الاستراتيجية الحديثة.

فها هو المعجم الوجيز مثلا يعرف المرتزقة بشكل عام بأنهم: »أصحاب جرايات ورواتب مقدرة« ويعرف مرتزقة الحروب بأنهم »الذين يحاربون في الجيش على سبيل الارتزاق، والغالب أن يكونوا من الغرباء«.

ويعرف ميثاق جنيف المرتزق Mercenary بأنه فرد تم تجنيده لنزاع مسلح في دولة غير موطنه الأصلي، هدفه الأساسي هو التربح من اشتراكه في القتال، ولذا فهو يؤجر جهده وخبرته القتالية لمن يدفع له، ومن ثم فهو يفتقد المشروعية التي تمنح للمقاتلين في الحروب العادلة، سواء كانت نظامية أو بواسطة مقاتلي العصابات والمقاومين.

وينتمي المرتزقة عبر التاريخ إلى المهمشين من البشر، سواء كانوا فقراء معدمين أو لقطاء أو محاربين نظاميين مسرّحين من الخدمة العسكرية. وتسيطر على المرتزقة روح الانتهازية والأنانية المفرطة والتعطش الدائم إلى الدم، وهم يفتقرون إلى معاني الفروسية وإلى الالتزام بما توجبه من سلوك أثناء الحرب، كما أنهم عديمو الضمائر، لا يحفلون كثيرا بالشرف والوطنية، ولا يتحلون بالشجاعة، وولاؤهم لمن يدفع أكثر، وهمهم الأساسي هو إرضاء من يؤجرهم، ولذا فإنهم يميلون بطبعهم إلى الخيانة.

وينصح ابن خلدون الحكام والسلاطين ألا يعتمدوا على المرتزقة في تثبيت أركان سلطانهم، وأن يوفروا الأموال الطائلة التي ينفقونها عليهم، لأنهم مهما أجزلوا العطاء لهم فإنهم ليس بوسعهم أن يضمنوا ولاءهم، وسيظل ملكهم مهددا طالما كان يحتمي بسيوف المرتزقة ورماحهم.

وهنا ينتقد ابن خلدون السلطان المستبد الذي ينزلق إلى خصومة مع المحكومين و»يحتاج في مدافعتهم عن الأمر وصدهم عن المشاركة، إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم، يستظهر بهم عليهم ويتولاهم دونهم، فيكونوا أقرب إليهم من سائرهم وأخص به قربا واصطناعا، وأولى إيثارا وجاها، لما أنهم يستميتون دونه في مدافعة قومه عن الأمر الذي كان لهم والرتبة التي ألفوها في مشاركتهم.

فيستخلصهم صاحب الدولة حينئذ، ويخصهم بمزيد من التكرمة والإيثار، ويقسم لهم مثل ما للكثير من قومه ويقلدهم جليل الأعمال والولايات من الوزارة والقيادة والجباية، وما يختص به لنفسه، وتكون خاصة له دون قومه من ألقاب المملكة، لأنهم حينئذ أولياؤه الأقربون ونصحاؤه المخلصون.

وذلك حينئذ مؤذن باهتضام الدولة وعلامة على المرض المزمن فيها، لفساد العصبية التي كان بناء الغلب عليها، ومرض قلوب أهل الدولة حينئذ من الامتهان وعداوة السلطان، فيضغنون عليه ويتربصون به الدوائر، ويعود وبال ذلك على الدولة ولا يطمع في برئها من هذا الداء، لأن ما مضى يتأكد في الأعقاب إلى أن يذهب رسمها«. ومعنى هذا باختصار شديد أن أي ملك يعتمد على المرتزقة في حمايته، مآله الطبيعي هو الانهيار السريع.

ومن قبل كان الماوردي قد اقترب من هذا الرأي الذي تبناه ابن خلدون، فهو يقول: »قد يجمع الملك الجنود ليكونوا له عدة على أعدائه، وجُنة عند لقائه، فيكون فيهم هلاكه«، ثم يطالب الحاكم بأن يتفقد ظهور الفجور في عسكره ويقول: »لقد جرب هذا المعنى في غير واحد من عساكر الملوك، فوجد الأمر على ما قال، أعني أن ظهور الفجور كان أمارة لوشك البوار، وقرب الهلاك«. ومع أن الماوردي لم يذكر صراحة في ثنايا رأيه كلمة »مرتزقة« فإن قوله يؤول إلى ما يرتبط بها من أفعال وعلاقات.

ويقف المفكر السياسي الإيطالي نيقولا ميكافيللي أيضا موقفا سلبيا من المرتزقة مشابها لما سبقه إليه ابن خلدون، ويقدح في دورهم ومسارهم، إذ إنهم في نظره عبء على الجيش وخطر على السلطة، وإن اعتمد حاكم عليهم فإنه سيظل مؤرقا وقلقا على سلطانه.

لأن المرتزقة لا يعرفون التوحد خلف فكرة أو قائد، ولا يحفظون العهود والمواثيق، ولا يخشون الله، ولا يرعون الذمم مع غيرهم، وبينهم من يمتد طموحه إلى أبعد من الدور الذي رسم له وجيء به من أجله، وأغلبهم جبناء أمام العدو وإن تظاهروا بالشجاعة أمام من يدفع لهم.

أما وليم أولتمان فيهاجم المرتزقة بشدة لأنهم »يمارسون أعمالاً لا تخطر على بال، وأخطر بكثير مما يفعله الجنود النظاميون، ولا ينطبق عليهم ما ينطبق على البشر، لأنهم بلا مشاعر أو ضمائر«، ثم يتساءل: »من أين تأتي الضمائر لبشر مهنتهم القتل مقابل المال«.

والمرتزقة ليسوا فئة حديثة مرتبطة بشركة »بلاك ووتر« التي تؤجرهم للحرب إلى جانب الأميركيين في العراق، بل وجودهم يمتد إلى أعمق أعماق التاريخ الإنساني المعروف، وهو ما سنعرضه في المقال القادم.

كاتب وباحث مصري

opinion@albayan.ae