في حوار قصير دار بيني وبين إحدى الأخوات العربيات، قالت لي، وعلامة استفهام كبيرة تتقافز فوق رأسها: «انتو فلوسكم ما بتخلص؟» في إشارة منها إلى كثرة ما تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة للآخرين من مساعدات وهبات، وما تقيمه من حملات عطاء تصل فيها المبالغ المبذولة إلى أرقام فلكية يصعب على الأفراد البسطاء إدراكها، وأذكر أنني أجبتها قائلة: من سعى في حاجة أخيه، سعى الله في حاجته، ولأننا نشكر الله على النعمة، ونعطي المحتاج، فإن الله يزيدنا من فضله ونعمه.
أذكر هذا الموقف تزامنا مع الفرحة التي نعيشها هذه الأيام، ونحن نحتفل مع إخواننا في الأراضي الفلسطينية المحتلة بإنجاز مشروع ضاحية الشيخ زايد ـ عليه رحمة الله ورضوانه ـ في القدس. وهي مجرد مظهر مادي محسوس يشي بالكثير مما يُبذَل ويُعطى بيد لا تعرف أختها مقدار ما أعطت وبذلت، وهو أمر ليس بغريب على والدنا الشيخ زايد -طيب الله ثراه-، ولا على أبنائه الذين يمثّل كل واحد منهم خير خلف لخير سلف، ولا هو بغريب على الشعب الإماراتي الذي تشرّب على يد والده مفاهيم البذل والعطاء والمساعدة والإحساس بالآخرين، والسعي في حاجاتهم.
كثيراً ما تكلمنا وكتبنا عن لذة العطاء، وأن الإحساس بها يفوق الإحساس بمتعة الأخذ، لكن حين نرى مظاهر الفرحة تغمر شعبًا لم يذق طعم الفرح منذ زمن طويل، نشعر أن كل ما قلناه وكتبناه لا يعبر عن الإحساس الذي نشعر به في تلك اللحظة تحديداً.
إن مثل هذه اللحظات تقود بشكل تلقائي إلى التفكير في أولئك الذين يعيشون لأنفسهم فقط، ولا يرون في غيرهم من يستحق العيش، لذلك لا يبالون بما يحدث للآخرين، ولا بما يلاقونه من شظف العيش وذل الحاجة تحت ظروف احتلال أو فقر أو مجاعة أو كوارث طبيعية، لكنهم يتشدقون بعبارات توحي بأسفهم على ما يحدث لهم، دون أن يحركوا درهماً من موضعه الدافئ في أحضانهم ليتبرعوا به أو ليشاركوا به في حملة لمساعدة هؤلاء المنكوبين.
إن أكثر الناس كلاماً على إحساسهم بمعاناة الآخرين هم أقلهم مساعدة لهم، لأن القول والفعل قليلا ما يجتمعان في إنسان هذه الأيام، إلا من رحم ربي، أما بين عامة الناس، فإن أغلبهم إما أن يتشدقوا بكلام كبير يوحي بشدة تعاطفهم مع ما يحدث في إحدى البقاع المنكوبة في العالم العربي الإسلامي، وهم أبعد ما يكونون عن التعاطف الفعلي، أو أنهم يبذلون في السر والخفاء، ولا يجدون أنفسهم مضطرين للإعلان عن مقدار ما أعطوا.
لا يمكنني هنا أن أصنف البشر، ولا أستطيع أن أقسم الشعوب إلى شعوب درجت على العطاء وأخرى اعتادت على الأخذ، ولا يمكنني أن أقدم أي شكل من أشكال التصنيفات التي تحتاج إلى قواعد متينة من الإحصائيات الدقيقة والدراسات النفسية والاجتماعية والاقتصادية كي أتمكن من التصنيف على أساسها، لكنني رغم كل هذا أستطيع أن أزعم بأن الشعب الإماراتي يحتل الصدارة في مسألة العطاء، على نحو لا يكاد ينافسه فيه شعب آخر في جهة من جهات العالم الأربع.
ولا أجد نفسي مضطرة إلى تقديم إثباتات على زعمي هذا، لأن واقع الحال هو الذي يتحدث عن ذلك، وهو الذي يشي به على نحو لا يدع مجالا للشك يتسرب إلى نفس أي إنسان يصل إلى أسماعه زعمي هذا.
لكن الإشكالية هي أننا نجد أحياناً من يفسر هذه الروح المعطاءة عندنا تفسيراً خاطئاً، ليس لأن ما نقوم به خطأ، ولكن لأن نظرته إلى الحياة تحتاج إلى تعديل، أو لأن بعض المفاهيم الإيجابية أصبحت لها ـ بسبب بعض النفسيات غير السوية ـ أوجه سلبية تؤوَّل عليها، فيترك بعض مرضى النفوس الوجه الإيجابي الجميل، ويلتفت إلى الوجه السلبي القبيح للفعل ذاته، وهذا لا يعكس إلا خللا في نفسية هؤلاء الأشخاص، ولا يمسّ جمالية الفعل نفسه مهما سعى إلى ذلك مرضى النفوس.
الإنسان-الذي يستحق أن يُعطى صفة الإنسانية، وهي عملة نادرة هذه الأيام- هو، في رأيي، الذي يعطي ولا ينتظر الشكر، وهو الذي يمشي حتى إن تعالت أصوات النباح حوله، لأن هذه الأصوات تعطل مسيرة الإنتاج والإنجاز والعمل، ولا تنتج بنفسها، ومن البديهي أنها لن تساعده على الإنتاج، ولن تكون عوناً له على الإنجاز، وعلى التقدم بنفسه وبمجتمعه خطوة واحدة إلى الأمام.
كثيرون هم الذين لا يملكون روح العطاء، لأنهم لم ينشأوا عليها، ولم يعتادوها طقساً يوميا يمارسونه في حياتهم كما يمارسون طقوس الأخذ، لذلك يجدون في أنفسهم استنكارًا لهذه العادة التي يمارسها غيرهم بحب وبرغبة حقيقية في أن يكون جزءًا من الآخرين، بأن يلعب معهم لعبة الأخذ والعطاء دون أن ينتظر أي من الطرفين مقابل ما يبذل، لكنه يصل، لأن الحياة تدور دورتها الطبيعية حين لا تجد عراقيل بشرية تقف في طريقها.
البذل لا يعني أن نقيم المؤتمرات التي نناقش فيها المآسي مختلفة المذاق والنكهة التي تفتك بالشعوب على امتداد العالم العربي والإسلامي، ولا يعني أن نصدر الدواوين الشعرية، ولا أن نقف ونصدح بقصائدنا في الأماسي والأصبوحات الشعرية، ولا أن نبكي ونستبكي الجمهور الذي لم يعد يفهم من الشعر شيئاً في زمن بات صعباً بكل المقاييس. البذل هو أن يجود الإنسان بما لديه من مال ليقتسمه مع من لا مال له، ويشمل المال كل ما يحتاجه الإنسان من طعام ودواء وكساء.
وإذا أردنا أن نتعلم معنى البذل والعطاء في صورته العملية، لا بصورة نظرية كما ندرسه في المدارس فما علينا إلا أن ننظر إلى دولتنا الحبيبة وهي تفرش بياض يدها شرقًا وغرباً في صور وأشكال شتى، محاولة التخفيف من معاناة الناس قدر الاستطاعة، لكن المهم هو ألا يعتاد هؤلاء الناس -في غير ظروف الحرب والمجاعة بطبيعة الحال- أن يعيشوا على المساعدات والهبات، ولا يفكروا في إيجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية التي يعانون منها، اعتمادًا منهم على ما يأتي من الخارج، كي لا يتحول المفهوم الإيجابي للمساعدة إلى وجه سلبي يزيد في تفاقم المشكلة ولا يعمل على حلها.
جامعة الإمارات