فجأة انقلبت المشاعر الحماسية تجاه برنامج «شاعر المليون» الشهير في السعودية وأماكن أخرى إلى مشاعر غاضبة ومحبطة لأن أحد نجوم المسابقة الشاعر ناصر الفراعنة لم يفز ببيرق الشعر.
بعض التحليلات المحبطة من نتيجة المسابقة بحثت حتى في أسباب سياسية محتملة لخسارة الشاعر السعودي وفوز زميله القطري، ولنا أن نحمد الله أن نتيجة المسابقة لم تقد بعد إلى أزمة سياسية بين دول مجلس التعاون.
ومع مشاعر الإحباط ولغة النقد تجاه النتيجة التي جاءت عكس ما تمناه وتوقعه عدد كبير من جمهور البرنامج في السعودية وخارجها استيقظ البعض أخيراً على أن ظاهرة «شاعر المليون» يمكن أن تسهم في إحياء العنصرية القبلية، وبالتالي تمزق الوطن إلى قبائل وعشائر وكأن الأمة في حاجة إلى مزيد من التمزق والخلاف.
أما لو كان حامل البيرق هم الفراعنة فسيبقى البرنامج في نظر متابعيه (أو المدمنين عليه) قمة البرامج التلفزيونية أما المبالغة في مدح القبيلة فهي ليست سوى بحث عن الأصالة واعتزازا بالجذور وفخراً بالأجداد.
فعلاً: ماذا لو فاز ناصر الفراعنة بالبيرق؟ لك أن تتخيل نفس الأصوات الناقدة للبرنامج الآن، وقد أسرفت في الثناء على البرنامج وفكرته وكل القائمين عليه. ولربما حثت بقية القبائل العربية في كل أنحاء الجزيرة العربية للبحث عن شعرائها لاستغلال البرنامج في العام القادم لإبراز مآثر القبيلة من فروسية وكرم ونخوة وشهامة.
لكن هذه الفروسية والكرم والنخوة والشهامة قلما تظهر لو جاء أحد بفكرة إنشاء صندوق خيري لفقراء القبيلة أو صندوق لدعم القدرات الشابة - حتى من أبناء القبيلة نفسها - لدراسة الطب أو الهندسة أو التدريب في الداخل أو في الخارج. فالقبيلة التي تستطيع في أيام قليلة أن تجمع عشرات الملايين في مهرجانات الإبل والشعر لا تقوى على جمع مليون واحد لابتعاث عدد من شباب ذات القبيلة للدراسة أو التدريب.
أنا لست ضد أن تحتفي القبيلة بتراثها أو تفاخر بأمجادها - وأنا ابن قبيلة عريقة تعتز أيضاً بأمجادها وتاريخها - ولكنني ضد تقزيم القبيلة في مشاهد لابد أن تدعو بأكثر من شكل للفرقة وتغليب السطحي وتهميش المهم. سيأتي من يسأل: من أنت لتقيم أذواق الناس واهتماماتها؟
وسيأتي من يسأل السؤال الوجيه: أليست هذه الفعاليات أفضل من فعاليات أخرى تسيء للذوق العام وتخرب الأخلاق وتضيع القيم؟ وكلها أسئلة مهمة لكن إصلاح الخطأ بخطأ آخر يكون خطأ أسوأ مما قبله.
وتلك الظواهر يمكن أن تكون مقبولة لو جاءت في سياق مشروع ثقافي كبير يتيح الفرصة ويقدم الدعم لأنواع شتى من الفنون والأدب والثقافة. إن العالم العربي كله يمر اليوم بأزمة «قيم» اختلطت فيها مفاهيم كثيرة يعيش مشتتا بينها الشباب العربي اليوم ليجد نفسه بين طرفين: أصولية متشددة في نظرتها للحداثة ورفضها لـ «الآخر» أو فوضى أخلاقية مشوهة مصادرها مفاهيم مغلوطة عن الليبرالية والحداثة.
أنظر إلى كثير من البرامج التلفزيونية في العالم العربي لتشهد بنفسك حجم هذه الفوضى، فما يقدم في بعض المسلسلات والمشاهد في عز الظهر يعد من المواد التي يحظر على قنوات التلفزيون الأمريكي، على سبيل المثال، عرضها إلا في ساعات متأخرة من المساء مع شريط مكتوب يحذر الأسر من السماح للأطفال والمراهقين بمشاهدتها.
ولك أن تسأل عمن يقف خلف هذا «المنتج» القبيح في أكثر صوره. من حقك أن تشك أحياناً بأن من يقف خلف ذلك المنتج «العربي» إنما يمارس انتقاما ما من تاريخ ما أو تجربة ما ضد الوعي العربي وضد القيم والأخلاق المعتدلة المهمة لأي مجتمع.
لكن هل البديل هو في خطاب يستعيد - وبجهل - أقبح ما في تاريخ القبلية من عنصرية وهجاء واستعلاء؟ ألم يعمل أجدادنا في الخليج والجزيرة العربية ( وهم الأكثر قرباً منا وقتها إلى القبيلة وقيمها وأعرافها وأحكامها) للتوحد في كيانات جديدة أسست لعلاقات إنسانية ( ووطنية) لأبناء مجتمعاتنا، علاقات قوامها الاعتبارات الإنسانية المشتركة غير علاقة الدم أو النسب والحسب؟
والتحديات التنموية للمنطقة كلها تتطلب قفزات كبرى في التفكير وتكثيفا لكل الجهود من أجل مشاريع التنمية الكبرى تلك التي لن تنجح من غير بناء الإنسان فكرياً وتهيئته للتعامل الواثق مع أدوات الحداثة المتجددة باقتدار وروح وثابة للمنافسة والإبداع.
هذه شروط مهمة للبقاء في عصر التحديات الكبرى وليست تنظيراً من برج عاجي، فما أزمة الخبز الراهنة في أكثر من قطر عربي إلا بداية لأزمات أخرى أشد وطئاً وخطورة. فمن غير المعقول أن ينطلق العالم كله في التفكير الجاد والمشاريع العلمية والعملية لمواجهة أزمات الغذاء ومواصلة الإنتاج العلمي الضخم على أصعدة الطب والهندسة والتكنولوجيا والمواصلات ونحن نشغل شبابنا وأطفالنا بمزايين الإبل وقصائد المدح والبحث عن ناقة الشاعر التائهة، وكأننا نهيئ أطفالنا لأن يصبح أهم أحلامهم الوقوف على منصة الشعر لمجاراة: «ناقتي يا ناقتي»!
المسألة هنا أكبر وأخطر من نقد القبيلة أو شاعر القبيلة ،وهي فعلاً أكثر أهمية من فوز الشاعر القطري وخسارة الشاعر السعودي. نحن إزاء خطر خلق مزاج عربي عام ينطلق من مفاهيم قبلية فيها تشويه كبير أو يؤصل لتسطيح خطير لاهتمامات الناس وأذواقها ويقدم الدعم الضخم والباذخ لأفكار ومشاريع يجب أن تكون أصلاً خارج قائمة الأولويات.
فالنقد هنا ليس للشعر كمنتج أدبي ولا للشعراء الذين وجدوا منبراً مهماً للشهرة إذ تصبح هذه «الرفاهية» الشعرية وهذا «البذخ» في استعراضات الإبل مقبولة حينما تأتي في سياق ثقافي طبيعي تكون هي من نتاج التنمية لا كل التنمية وكل الاهتمام خاصة وأن التحديات والمخاطر تحاصرنا من كل اتجاه.
كاتب ومستشار إعلامي