ليس من السهل أن يتكلم المرء أو يكتب وهو يعيش إحساساً داخلياً غريباً غير مألوف بالنسبة له، هو مزيج من الفرح والحزن في آن، لكنه إحساس يستحق الكتابة عنه على الأقل. لا ينمّ هذا الكلام عن مبالغة بقدر ما أريده أن يكشف عن سعادة بالغة اعترتني خلال الأيام القليلة الماضية، لا أخفي أنها كانت مشوبة بشيء من الحزن والأسف. وتجنباً للنظر إلى نصف الكأس الفارغ وإغفال نصفه المملوء، سأحاول التركيز على النصف المملوء وأشير عَرَضاً إلى نصفه الفارغ بحسب ما يلحّ عليه السياق.
في مطلع هذا الأسبوع أعلن معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات ، عن إنشاء هيئة وطنية للبحث العلمي، وهي غاية ما يطمح إليه أي مشتغل أو مهتم بالجانب الأكاديمي البحثي الذي يمثل أساس انطلاق أية حضارة حقيقية، إذ ترتبط أسهم الأمم والشعوب بمدى إنجازاتها وإسهاماتها في ميدان البحث العلمي، فتعلو بعلوّها، وتهبط بهبوطها.
وقد صرح مسؤولون في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بأن «الهيئة ستعمل على دعم وتشجيع البحوث العلمية التي تلبي احتياجات المجتمع ونشرها لتحقيق الاستفادة القصوى منها في المجالات التي تلامس احتياجات الدولة»، ولعل هذا يعني الالتفات الفعلي نحو ما يسمى باقتصاد المعرفة، وهو المصطلح الذي أخذ يتردد منذ فترة ليست قصيرة في الكثير من الدراسات والتقارير العالمية، ونقلتها عنهم المصادر والمراجع العربية أيضاً، لكن بشكل نظري في معظم الأحيان، ولم نكد نسمع عن خطوات وإجراءات عملية تطبيقية تؤكد تحولنا نحو بناء اقتصاد قوي يقوم على أسس سليمة قوامها المعرفة.
إن مراكز الأبحاث العلمية منتشرة في مختلف أنحاء العالم العربي منذ سنوات طويلة، وهي تؤدي الدور المناط بها بشكل أقرب إلى الروتينية، لذلك يأتي الإنجاز قليلاً محدوداً، لا يقوى على الصمود أمام إنجازات الآخرين الذين يعملون في مراكزهم البحثية بطريقة لا شك أنها مختلفة، يحفّها الكثير من أجواء الإبداع والابتكار، والثقة بالنفس والقدرات، والإيمان بالطاقات البشرية في جميع أحوالها وظروفها، لذلك يأتي الإنجاز مختلفاً، ومتجدداً ومبدعاً.
لا أقول هذا عن معرفة دقيقة بواقع مراكز الأبحاث العلمية، ولا هو من باب ضرب الودع، إنما هو أقرب إلى القراءة الظاهرية للمنتج الذي تزودنا به المراكز البحثية العربية والمراكز البحثية الأخرى الواقعة شرق العالم العربي وغربه، وشماله وجنوبه.
ليس من باب التفاؤل العشوائي إنما بناء على الكثير من المعطيات التي نرجو أن تثبت صحتها مع الزمن، وأن تضم إليها عوامل أخرى مهمة، يمكنني أن أزعم أن هذا المولود الجديد الذي أفرحنا الإعلان عنه في مطلع هذا الأسبوع، سيكون قادراً على تحقيق نقلة نوعية في طبيعة المنتج الذي تقدمه المراكز البحثية العلمية في العالم العربي، لأسباب عدة، قد يكون من أهمها امتلاك عاملين أساسيين من شأنهما أن يحققا ذلك: أولهما وجود الطاقات والكفاءات البشرية، وثانيهما توافر الدعم المالي غير المحدود.
لكنني أعتقد مبدئياً أننا في حاجة إلى تكليف جهات متخصصة للبحث عن الكفاءات المواطنة -الشابة خصوصاً- في مختلف المجالات العلمية وإيلائها الرعاية والاهتمام اللازمين، وتوفير الدعم المطلوب لها كي تقدم أفكارها وخلاصات دراساتها في أعرق الجامعات العالمية، كي تؤدي دورها في خدمة بلدها.
وجميعنا يعلم أن الكثير من الكفاءات عندما تعود حاملة معها شهادتها العليا إما أن تُعيَّن في منصب رفيع يحرمها بأعبائه والتزاماته من إيجاد الوقت الذي يكفي للقيام بدراسات وأبحاث علمية رصينة ومثمرة، أو أنها تعامل معاملة الآخرين الذين يحملون الشهادة ذاتها، لكن القدرة والكفاءة الذاتية تختلف بين أولئك وهؤلاء، وهذا يقتل الروح العلمية المتوثبة التي عاد الطلبة المبدعون إلى بلادهم وهي تتحرك في داخلهم شوقاً للحظة التي سيصلون ويبدأون العمل.
توجد عوامل أخرى من الممكن أن تُذكر مثل حرص الدولة على توفير أحدث الأجهزة والمعدات والمختبرات وجميع المواد المطلوبة لإنجاز التجارب والأبحاث العلمية. ولا بد أن يكون هذا على قائمة أولويات الهيئة الوطنية للبحث العلمي، التي لن تتردد في استقطاب أفضل الخبرات العالمية للمساعدة وللإفادة من تجاربهم في المرحلة الأولى على الأقل.
من جهة أخرى، نشرت الصحف المحلية منتصف هذا الأسبوع خبراً عن إقرار مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، اعتماد اللغة العربية لغة رسمية في جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية. وهو ما كان سبباً أيضاً في استمرار الإحساس بدفء موجة السعادة التي افتتحنا بها هذا الأسبوع.
لقد كان هذا القرار خطوة لا بد منها، ولن تكون مجرد خطوة معلقة في الفراغ، بل لا بد أنها خطوة ناتجة عن دراسات كشفت أننا تمادينا في الاهتمام باللغة الإنجليزية، حتى كادت أن تسيطر على كافة مرافق الحياة، وأصبحت ظاهرياً هي لغة التواصل الرسمي، مع أن الدستور ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في البلاد.
وقد تكلم الكثيرون في هذا الموضوع مطالبين بعودة اللغة العربية إلى مكانها بين أهلها على المستويين الشفوي والمكتوب، وقد جاء هذا القرار دعماً لأصوات تلك الأقلية التي كانت تنادي بلغة الدستور، ومنسجماً مع إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة هذا العام عاماً للهوية الوطنية.
أتوقع ـ أو آمل- أن تتبع هذه الخطوة خطوات أخرى، من مثل تعميم استخدام اللغة العربية في المؤسسات الخاصة أيضاً، حتى يعود الطابع العربي ليغطي وجه المكان، بعد أن نأى بعيداً حين وجد نفسه مضطراً للتحدث بلسان غير لسانه.
ولأني لا أريد أن أنظر إلى نصف الكأس الفارغ، سأحافظ على جذوة هذا الأمل مشتعلة في نفسي، وستبقى هذه الخطوة في نظري كبيرة بحد ذاتها، ولن أقيسها بما نرغب به من خطوات أخرى، مثل تعميم استخدام اللغة العربية في المؤسسات الخاصة، واعتمادها لغة رسمية للتعليم العام والعالي في البلاد، وغيرها من الآمال، إلا بعد أن تصبح تلك الآمال قرارات نبشر بها بعضنا.
جامعة الإمارات