تتسم بخطورة بالغة التطورات الدراماتيكية التي وقعت خلال الأسبوع الماضي، على جبهة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ولا تزال تداعياتها مفتوحة على سيناريوهات صعبة ومعقدة.
الحكومة الإسرائيلية التي تنتظر الإعلان عن نتائج تقرير «فينوغراد» بشأن أدائها في الحرب على لبنان العام قبل الماضي، مما يهدد بفرط الائتلاف الهش القائم بعد انسحاب كتلة «إسرائيل بيتنا» العنصرية المتطرفة، هذه الحكومة لم تجد سبيلاً لتخفيف وطأة التقرير المذكور، سوى ركوب أعلى درجات التطرف للمزايدة على المعارضين في داخلها ومن خارجها.
فبعد إعلان الحكومة الإسرائيلية عن قطاع غزة كياناً معادياً قبل بضعة أشهر، جاءت اللحظة المناسبة لإضفاء أبعاد سياسية خطيرة على ذلك المفهوم، حين قررت تلك الحكومة إقفال كل المعابر والمنافذ على مليون ونصف مليون فلسطيني، ووقف إمدادهم بالوقود، كل أنواع الوقود سواء اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء، أو للأغراض العامة والشخصية.
ليس هذا وحسب، بل إن إغلاق المعابر بشكل كامل أدى أيضاً إلى وقف إمداد قطاع غزة، بكل أنواع المواد والسلع بما في ذك الأساسية كالغذاء والدواء، بعد أن كانت حصرت حكومة الاحتلال ما يسمح بدخوله للقطاع، بنحو سبعة عشر نوعاً من المواد من أصل نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سلعة كانت تدخل للقطاع.
وترافق الحصار الإسرائيلي المحكم مع بدء عملية عسكرية متدحرجة أوقعت خلال أربعة أيام فقط أكثر من 40 شهيداً ونحو 250 جريحاً، فيما تتواصل التهديدات بمواصلة العمل على خط اغتيال القيادات والكوادر وقصف وتدمير المقرات الأساسية والحيوية.
المنظومة الأخيرة من التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق، والذي يتجاهل تماماً المواثيق الدولية وينتمي إلى جرائم الحرب الإنسانية وسياسة العقوبات الجماعية غير المبررة إطلاقاً، تشكل جزءاً من ترجمة الحرب ضد ما يسمى ب«الإرهاب»، التي أعلن عنها أيهود أولمرت في اليوم التالي لبدء العدوان يوم الثلاثاء الخامس عشر من الشهر الجاري.
إعلان أولمرت حرباً متواصلة ضد ما يسميه «الإرهاب» في قطاع غزة، وهي حرب ضد كل سكان القطاع وضد الأهداف الوطنية الموحدة للشعب الفلسطيني، تنفي عملياً الذريعة التي تسوقها إسرائيل وتتحدث عن أن هدفها وقف إطلاق الصواريخ مسبقة الصنع التي تنطلق من غزة، وتسبب الهلع لسكان بلدة «سديروت» وتضع الأمر في سياق أشمل.
يدرك أولمرت وحكومته أن تشديد الخناق على قطاع غزة، من شأنه أن يؤدي إلى تداعيات خطيرة، إذ لا يمكن تعريض حياة مليون ونصف المليون لخطر الموت بدون انتظار ردود أفعال فلسطينية غير اعتيادية، كان البعض يعتقد أنها يمكن أن تأخذ شكل تجديد الانتفاضة، أو انفجار ثورة عارمة، تؤدي من بين ما تؤدي إليه إلى تحريك المياه الراكدة في التجمعات الفلسطينية التي تنتشر في أكثر من بلد عربي بما يؤدي إلى توسيع نطاق الفوضى في المنطقة.
والحقيقة أن الحرب التي أعلنها وباشرها أولمرت وحكومته، قد أدت إلى تحريك متدرج للتجمعات الفلسطينية في أكثر من مكان، كما أدى إلى تحفيز الكثير من القوى خصوصاً الإسلامية في أكثر من بلد عربي للتحرك، في ظل عجز الموقف العربي الرسمي عن اتخاذ ما يلزم من سياسات ومواقف تؤدي إلى رفع الحصار أو ردع السياسة الإسرائيلية.
وفي الوقت الذي كان فيه مجلس الأمن الدولي يناقش بناء لدعوة من المجموعة العربية ومنظمة العمل الإسلامي، مشاريع قرارات يعرف الفلسطينيون أكثر من غيرهم أن الولايات المتحدة تحول دون اتخاذها، كانت قوات الأمن المصرية منهمكة في صد جمهور كبير من النساء الفلسطينيات يحاولن اقتحام معبر رفح الحدودي، مما أدى إلى إصابة نحو خمسين منهن.
وفي الصباح الباكر لليوم التالي، الأربعاء الثالث والعشرين من الشهر الجاري، كانت الجماعات الفلسطينية قد فجرت وأزالت بالجرافات مساحات واسعة من الحاجز الحدودي فيما اندفع آلاف الفلسطينيين الجوعى والمرضى، والعالقين نحو الأراضي المصرية، بدون أي جهد من الجانب المصري لاعتراضهم. هكذا وجد الفلسطينيون سبيلهم لكسر الحصار، ولتجاوز الإرادات العربية الرسمية العاجزة، وليقدموا جوابهم على مجلس الأمن الدولي وعلى القرارات الإسرائيلية الشكلية بتخفيف الحصار، والتي لم تؤد إلى تبديل واقع حال الفلسطينيين المختنقين به.
على الجانب الآخر من المشهد تسعى إسرائيل من وراء حربها ضد ما يسمى ب«الإرهاب» إلى إحراج الطرف الفلسطيني المفاوض، ودفعه نحو اتخاذ قرارات بوقف التفاوض، ليتحمل المسؤولية عن تعطيل الفرصة التي يقال إنها متاحة للسلام، ذلك أنه سيكون من الصعب على الرئيس الفلسطيني متابعة المفاوضات فيما شعبه في غزة مهدد بالموت.
وإلا كان عليه أن يخسر الكثير من شرعيته وقدرته على العمل. ويبدو أن إسرائيل التي قررت حكومتها في اجتماع رسمي أن تصم آذانها عن كل الانتقادات الموجهة لها بسبب الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة، وأدخل سكانه دائرة الكارثة الإنسانية الجماعية المحققة، يبدو أن إسرائيل قد نسقت سياستها وخطواتها مع الإدارة الأميركية، القادرة وحدها على ضبط السياسة الإسرائيلية ولكن غير الراغبة في ممارسة هذه القدرة.
وفضلاً عن أن العملية السياسية التي بدأت في آنابوليس ثم باريس، قد أخذت تترنح تحت وطأة السياسات الإسرائيلية العاجزة عن مجاراتها، بل الرافض لها في حقيقة الأمر، فإن الأوضاع على الأرض تندفع بفعل فاعل في اتجاهات أخرى، تحدث عنها المفكر العربي الاستراتيجي محمد حسنين هيكل قبل بضعة أشهر.
إسرائيل لم تتحرك لمنع تدفق الجماهير الفلسطينية من غزة باتجاه الأراضي المصرية، كما لم تتحرك فعلياً السلطات المصرية لوقف هذا التدفق، الأمر الذي يوحي بأن إسرائيل تستهدف إغلاق كل المعابر التي تمر عبرها، لكي تلقي بكرة النار في حضن السياسة المصرية، ليشكل ذلك مع مرور المزيد من الوقت أساساً للحل الإقليمي الذي تحدث عنه هيكل حيث يصبح قطاع غزة بشكل أو بآخر، مفصولاً كلياً عن الضفة، وتحت إشراف مصري.
أما إذا تحقق هذا الكابوس، فإن أية مفاوضات أو تسوية ستكون محصورة بالضفة الغربية بما في ذلك القدس، وربما تتخذ الوجهة ذاتها، بالاندفاع نحو صيغة ما للعلاقات مع الأردن، أي بمعنى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل حرب عام 1967، مع تعديلات كثيرة تشمل القدس والمستوطنات، والحدود لصالح إسرائيل. والمؤسف حقاً أن القيادات الفلسطينية المتصارعة لا تزال غير قادرة على استيعاب الأبعاد والمخاطر الحقيقية الناجمة عن استمرار حالة الانقسام.
إذ لم تؤد هذه التطورات إلى تبديل الموقف، التي تمنع من الاتفاق على الحوار، وما تبدل فقط هو أسلوب ولغة التعبير عن تلك المواقف، فيما تتعزز قدرة إسرائيل على التحكم بمصير الفلسطينيين وقضيتهم وأهدافهم الوطنية. أما إن لم يكن الأمر على هذا النحو، فهل تبحث إسرائيل عن ذرائع قوية تبرر ارتكاب عدوان واسع ووحشي ضد قطاع غزة بكل ما فيه ومن فيه؟.