في لبنان الكل يزعم انه أمير البيان، ومفوض السلطة، وزعيم المكان، لكن حين نقرأ الخارطة الاجتماعية والسياسية، نجد أن كل فريق من أولئك سفير غير مفوض لقوة خارجية، أي ان سلم الأولويات يذهب إلى جني الأرباح الذاتية بصرف النظر لمن تؤول إليه النتائج حتى لو فجرت الحرب وتقطعت أوصال البلد الصغير..
جربوا حكومات الأحزاب ذات الانتماء الطائفي، وفشلوا، وذهب البعض للعروبة، والآخر إلى حضارة البحر المتوسط، وآخر نادى بالهلال الخصيب، ومع تعدد الأفكار والآراء، انفجرت الحرب بين التشكيلات الفسيفسائية، لتنجب مولوداً أعلن المصالحة والهدنة المؤقتة، ولكنه لم يطرح مشروع الدولة الوطنية وفق أسس موضوعية تخدم الجميع، وتوحد فصائلهم، وانتماءاتهم..
لبنان أكبر دكان في الاتجار السياسي، فهناك أب فرنسي، وآخر إيراني وثالث عربي، ورابع ضائع بين الآباء يبحث عن صهر جديد، ولو بالانتماء بالتحالف، وفي هذه الفوضى عاد الاستقواء بالحليف الخارجي، والدليل أن الذين يؤثرون في المسار اللبناني هم خارج رحمه، وإلا كيف نفسر العجز عن ترشيح رجل ما توافقي يقوم بجمع الفرقاء، لأن كل فريق مغنّ وعازف وبالتالي تحولت الموسيقى الوطنية إلى نشاز، والايقاع إلى خليط من الدفوف والأصوات..
الأغرب أن أوروبا رمت ثقلها، ولأول مرة، في ندب أهم ساستها للبحث في ضوء في النفق اللبناني، وعجزت، والعرب لاعبون ومتلاعبون والوسطاء الأكثر نزاهة طالهم الصد والشك حسب مذهبهم وديانتهم، والأمم المتحدة ليست مخولة كالسابق، لندب "مندوب سامٍ" يحكم باسمها ليؤهل البلد إلى قيادة نفسه والتوصل إلى دولة قانون بقضائها واستقلالها ووحدتها الوطنية، وفي الحال اللبناني ضاعت الطرق وسط الضباب والغبار، وبقي الوطن شاهد حق على ابنائه بأنهم أكثر عقوقاً وانفصالاً عن تاريخه وتراثه، ومعالمه الحضارية والتراثية..
وإذا كان لبنان مخلوقاً لأن يكون المساحة الحرة في وطن عربي مضطرب ومنقسم في كليته وبعضه، فإنه نموذج لهذا الانقسام والتشتت، مع أنه الوحيد الذي يملك أن يكون المصرف، والمطعم والفندق، ودرب التجارة ومستوطن السياحة ونموذج التعايش بسبب تقادم ثقافته وتأصلها، واختباراته الطويلة في الديموقراطية والوعي الوطني، والتجربة المعايشة مع كل شعوب العالم..
ولأن كل فصيل يرمي عجزه وتعقيداته على الآخر، فإن الحوار، وإن تواصل، فهو منقطع، لأن الجميع سادة يبحثون عن عبيد، وفي هذا الفصل الحاد سياسياً واجتماعياً اتجه الانقسام إلى التعميم الشامل لكل فصيل ومنزل، وحتى اطباء الخارج وحكماء العرب والعجم، والشرقيون والغربيون، احتاروا كيف يتفق اللبنانيون، وهي سيرة معقدة، لبلد مفتوح، ولكنه مغلق العقل في كل مواجهاته السياسية والاجتماعية