ماذا تقول عن مؤتمر دولي حول «الإرهاب وأبعاده ومخاطره وآليات معالجته» يخلو بيانه الختامي تماماً من تعريف «الإرهاب»؟

لقد تشعبت مداولات المؤتمر الذي انعقد في تونس فتطرق إلى كيفية تنمية الوعي بخطورة الإرهاب وضرورة العمل على تخفيف منابعه وتوقي تبعاته. وعلى هذا الأساس صاغ المؤتمرون بيانهم الختامي، لكنهم لم يقولوا لنا وللعالم سواء في المبتدى أو المنتهي ما هو الإرهاب على وجه الدقة العلمية.

أشرفت على المؤتمر ثلاث منظمات هي منظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة وشارك فيه 120 شخصية سياسية وثقافية وعلمية من أنحاء العالم بمن في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وممثلون عن قرابة 40 منظمة إقليمية ودولية أخرى.

رغم هذا الحشد الضخم كماً ونوعاً لا ندري كيف تسنى للحضور تبني توصيات كاسحة وواسعة النطاق بشأن الإرهاب دون ان يتطرقوا إلى تعريف الإرهاب.

نظرياً الإرهاب يعني في كل حال من الأحوال استخدام العنف. ولكن السؤال الذي فشلت حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة في التوافق على وضع إجابة عنه لتكون مرجعا دوليا هو متى يكون العنف وسيلة مشروعة ومباحة ومتى لا يكون؟

في مؤتمر تونس انسحب مندوب فلسطين من الجلسة الختامية بعد ان رُفض طلب منه لإضافة فقرة لنص البيان الختامي تتضمن إدانة واضحة لإرهاب الدولة إلى جانب التفريق بين «الإرهاب الأعمى وحق الشعوب في المقاومة ضد قوة احتلالية أجنبية».

في مثل هذه الحالة ـ حالة الاحتلال الأجنبي أو الاستعمار فإن للعنف مشروعية كاملة يقرها القانون الدولي. لكن يبدو ان المؤتمر انصاع لضغوط ممثلي الدول الغربية بعدم التعرض لمبدأ المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الأجنبي كي لا يتسبب في حرج لإسرائيل باسباغ شرعية على منظمات مثل «حماس» و«حزب الله».

وعلى نفس النسق تحاشى المؤتمر إصدار ادانة دامغة لما يعتبر إرهاب دولة حتى لا تنسحب مثل هذه الإدانة ولو بصورة رمزية على إسرائيل والأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي المصنفة كأصدقاء للغرب.

من الناحية النظرية المثالية لا ينبغي ان يكون العنف وسيلة للعمل السياسي التنظيمي في أي مكان وأي زمان ولا وسيلة لتعامل الحكومات مع الجماعات التي تمارس السياسة طالما ان هذه الجماعات لا تعتمد لنشاطها سوى الوسائل السلمية.

لكن التنظير شيء والواقع المرئي شيء مختلف، ذلك ان غالبية الحكومات في العالم العربي الإسلامي تكبت حريات التعبير والتنظيم السلمي في اطار نظام حكم لا يعتمد سيادة القانون كمبدأ أساسي ولا يعترف باستقلالية للجهاز القضائي. فالسجون تكتظ بالألوف من المعارضين السلميين الذين يبقون رهن الاعتقال على مدى سنين دون تقديمهم إلى محاكمة عادلة.

وحتى إذا تجرأ قاض وحكم ببراءة متهم سياسي فانه ما ان يغادر المتهم قاعة المحاكمة حتى تعيد عناصر الأمن اعتقاله.

من ناحية أخرى هناك بالطبع جماعات تمارس العنف حتى في اطار نظام ديمقراطي تعددي يكفل حريات التعبير والتنظيم، ومثل هذه الجماعات ينبغي قمعها تماما وفقا للقوانين السارية.

المشكلة العظمى هي ان «الارهاب» ـ في غياب تعريف علمي ونزيه ـ بات ظاهرة جدلية مسيسة. وكان الأجدر بمؤتمر تونس الدولي ان يعكف على وضع مثل هذا التعريف ليكون معيارا عالميا خاليا في الأجندة الذاتية المغرضة.