ربما يستدعي هذا الهجوم الاستراتيجي على السلام مع الفلسطينيين، كما يستدعي هذا المؤتمر الأميركي الخريفي القريب في أنابوليس، أن نتوقف دائماً أمام أهم الاستراتيجيات والأهداف الصهيونية ـ الإسرائيلية الكبيرة التي لا تزال الدولة الصهيونية تعمل على مدار الساعة من اجل تحقيقها، كونها تشكل دائما الأجندة الخلفية لكل تحركات تلك الدولة.

فبالعودة الى الأدبيات الصهيونية التاريخية نجد أن الأطماع الصهيونية في الأراضي وفي المياه العربية، وفي الهيمنة الاستراتيجية على المنطقة برمتها، قائمة منذ نشأة الحركة الصهيونية حتى يومنا هذا، فمنذ البدايات كان بن غوريون أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني قد أشار في تقرير قدمه أمام المجلس العالمي لعمال صهيون عام 1937 إلى الأهداف الاستراتيجية الصهيونية بعيدة المدى في المنطقة حيث قال:

ان الدولة اليهودية المعروضة علينا بالحدود الحالية (على يد اللجنة الملكية البريطانية) لا يمكن أبداً أن تكون الحل المنشود لمسألة اليهود، ولا هدف الصهيونية الذي سعت إليه طويلاً، حتى لو أجريت على هذه الحدود بعض التعديلات الممكنة واللازمة لصالحنا، إلا أنه يمكن قبولها بوصفها المرحلة الأولى والأساسية التي تنطلق منها تتمة مراحل تحقيق الوطن الصهيوني الأكبر، وذلك عن طريق بناء قوة يهودية جبارة فيها، وبأقصر وقت ممكن، ثم احتلال باقي مناطق مطامحنا التاريخية كلها ـ عن كتاب الصهيونية فكراً وعملاً ـ ص81.

وكان يوسف طرومبلدور أحد كبار الزعماء التاريخيين للطلائع الاستعمارية الصهيونية في فلسطين قد أدلى بقول تبناه كبار المنظرين الصهيونيين من بعده أكد فيه «حدودنا تكون في كل مكان يصل إليه محراث عبري ـ طرومبلدور في نشرة أصدرتها نقابة المعلمين الصهيونيين لصالح الكيرن كييمت». وعززت وثيقة بالغة الخطورة أطلق عليها اسم الخطة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي لعام 1956 ـ 1957 النزعة الاستراتيجية الصهيونية الموثقة بأقوال بن غوريون وغيره أعلاه.

وقد نقل الوثيقة إلى اللغة الإنجليزية السياسي الهندي ر.ك. كرانجيا ـ ونشرها في كتابه «خنجر إسرائيل». ومما جاء على لسان قادة الجيش الإسرائيلي فيها: لذا يجب أن نضع نصب أعيننا في كل الخطط التي نرسمها الهدف المزدوج التالي:

1 ـ الاستيلاء على الأراضي ذات الأهمية الجوهرية لنا في زمن الحرب وذلك كهدف أدنى.

2 ـ الاستيلاء على الأراضي الكفيلة بأن تسد كل احتياجاتنا وذلك كهدف أقصى «عن ر.ك. كرانجيا» خنجر إسرائيل»، الطبعة الأولى 1958 ص45 .

وأوضحت الوثيقة/ الخطة أن الهدف الإقليمي الأدنى لإسرائيل هو احتلال المناطق المجاورة لقناة السويس ونهر الليطاني والخليج الفارسي لأنها تنطوي على أهمية حيوية ـ المصدر السابق نفسه ص 81. وفي الإطار ذاته جاء في كتاب: «إسرائيل استراتيجية توسعية مغلفة بالسلام» لمؤلفه البروفسور الإسرائيلي المعروف يسرائيل شاحك:

«أن رغبة إسرائيل الحقيقية هي السيطرة والنفوذ، وهدفها الحقيقي هو بسط نفوذها وسيطرتها على الشرق الأوسط برمته من المغرب حتى باكستان، وأطماعها أطماع إقليمية بالأساس إلا أنها لا تخلو من أطماع عالمية ـ صحيفة الأيام الفلسطينية 18/4/1998».

وفي بعد الاستراتيجية والأطماع الصهيونية أيضاً كشفت وثيقة إسرائيلية أخرى وضعها ثلاثة باحثين إسرائيليين ترأسهم مهندس المياه اليشع كالي، بتكليف من إدارات حكومية رسمية، النقاب عن الأطماع الصهيونية في الأقطار العربية حيث أكدت: أن هدف إسرائيل هو السيطرة على مصادر المياه، وجر النيل إلى النقب، والليطاني إلى طبريا، وشق وإصلاح وإنشاء الخطوط الحديدية والطرق المعبدة لربط الكيان الصهيوني بالدول العربية المجاورة، والأهداف والدوافع اقتصادية وسياسية واستراتيجية ـ صحيفة دافار العبرية 4/6/1983».

وجاء في تقرير إسرائيلي آخر: لقد اعتبر الصهيونيين أرض إسرائيل المعلنة تلك الممتدة من الليطاني وحتى سيناء، ومن الجولان حتى البحر ـ عن نشرة كيفونيم العبرية ـ 16/2/1985. وفي هذا السياق الاستراتيجي الإسرائيلي ركزت المؤسسة الإسرائيلية العسكرية «الأمنية» السياسية على نحو خاص على تفكيك دول الدائرة العربية الثانية المحيطة بـ «إسرائيل» وهي سوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر، ودأبت على مدى الزمن الماضي من عمر الصراع على استثمار كافة الطاقات والإمكانات واللحظات المناسبة من اجل ضرب وتفكيك وتطويع هذه الدول التي اصطلح على تسميتها مؤخرا الملفات العربية الكبرى.

وتتحدث الوثائق التآمرية من ضمن ما تتحدث عنه عن خرائط أميركية إسرائيلية لتفكيك المنطقة العربية في إطار المشروع الأميركي الكبير، فهناك أولا «خريطة الطريق الفلسطينية» على سبيل المثال التي تهدف الى الإجهاز على القضية والحقوق الفلسطينية وإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني وفق رؤية الرئيس بوش التي هي في الجوهر أيضا لب الأجندة الإسرائيلية وبالتالي تطويب فلسطين للدولة العبرية الى الأبد.

وقد استلزم هذا «خريطة طريق خاصة بالعراق» تهدف الى تدميره، وهناك أيضا في الوثائق «خريطة طريق خاصة بسوريا» تهدف الى ضرب وتفكيك وتدجين سوريا ومعها لبنان والتي غدت الآن تحت التطبيق المسعور، والتدجين هنا يعني في الجوهر إعادة تشكيل سوريا ولبنان وتطبيعهما وفق الأجندة والمصلحة الإسرائيلية، وهناك قصة المقاومة الفلسطينية، والتهديد الذي يشكله حزب الله، تحتل هنا قمة الأجندة الأميركية الإسرائيلية، فالمطلوب أولا وقبل كل شيء تفكيك حزب الله وتجريده من السلاح الذي يهدد إسرائيل، وتجريد الفلسطينيين من الأسلحة، ومن إرادة المقاومة.

وعلى الصعيد السياسي وكي يتسنى لنا الاقتراب قدر الإمكان من استشراف موضوعي لاحتمالات المستقبل، وكي نتلمس ماهية الصياغة النهائية المحتملة لخريطة الاستيطان، فإنه يجدر بنا أولاً وقبل كل شيء قراءة مكانة ثلاثية «الأرض والهجرة والاستيطان» في الأدبيات والفكر السياسي الصهيوني ـ الإسرائيلي، ذلك أن البرنامج السياسي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي لا تنسلخ ولا تنفصل عن ذلك «التراث» السياسي الأيديولوجي الصهيوني تجاه الثلاثية أعلاه.

فمنذ البدايات الأولى لنشوئها، تبنت الحركة الصهيونية العالمية كما هو معروف مشروع إقامة «الوطن القومي اليهودي» على أرض فلسطين، ولم يكن متاحاً لتلك الحركة تحقيق ذلك المشروع الأكبر إلا عبر ثلاث وسائل أساسية أو ركائز محورية استندت إليها الاستراتيجية الصهيونية ـ الإسرائيلية في المراحل المختلفة وهي:

الأولى: الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي العربية الفلسطينية.

الثانية: حركة الهجرة والتهجير المستمرة المتدفقة إلى أرض فلسطين.

الثالثة: إحلال القادمين/الغزاة اليهود الجدد مكان الشعب الفلسطيني وتوطينهم في أرضه ووطنه.

كان فلاديمير جابوتنسكي الأب الروحي لليمين الإسرائيلي منذ نشأته قد ربط ثلاثية الأرض والهجرة والاستيطان بمعادلته التالية:

«هدف الصهيونية ـ الدولة اليهودية الأسلوب ـ الاستعمار الجماعي مساحة الأرض ـ لا حدود». وفي مسألة الأرض والاستيلاء عليها أعلن شامير في منتصف فبراير 1990 قائلاً: ان أرض إسرائيل ليست كعكة يمكن تقسيمها إلى أجزاء: إن إسرائيل تشهد الآن وقتاً عظيماً وأياماً عظيمة، هناك فقط بلاد واحدة هي وطن الشعب اليهودي.. أرض التوراة والأنبياء، إنها حلم الشعب اليهودي منذ أجيال عديدة، لذا فإن من حق كل يهودي مهاجر أن يختار مكان إقامته حسب رغبته ـ صحيفة معاريف عدد 14/2/1990.

كل هذه وغيرها الكثير الكثير من الاقتباسات الموثقة في الأدبيات السياسية والأيديولوجية الصهيونية ـ الإسرائيلية، تقودنا إلى الخلاصة المكثفة التي تؤكد جدية العلاقة بين ثلاثية «الأرض والهجرة والاستيطان» في الاستراتيجية الصهيونية بشكل عام، وفي السياسة الرسمية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وصولاً إلى حكومة اولمرت الراهنة، ولذلك مفيد ان يتذكر العرب دائما كل هذه الخلفيات الاستراتيجية وغيرها التي تحرك تلك الدولة الصهيونية في فلسطين والمنطقة!

كاتب فلسطيني

naufzaru@yahoo.com