كيف نجحت حرب الإشاعات في أدبيات السياسة العربية، وصارت حقائق، حتى إن المواطن أصبح يضيف عليها من خياله ما يجعلها الواقع الصحيح لتفسير كل ما يغيب عنه من معلومات، ويرجع السبب أن الوصول إلى معلومة في الشأن العام يبقى رهن السرية حتى لو كانت تختص بشأن لا علاقة له بالحجب والتستر عند كثير من السلطات العربية.
في مراحل بث الإشاعات بواسطة صحافة لبنان الناطقة والمسخرة لكل الاتجاهات في الخمسينات والستينات، وحروب الإذاعات التي بدأتها بريطانيا من محطة الشرق الأدنى وتلتها على نفس النهج معظم الدول العربية ليصل بعض المذيعين إلى نجومية الزعماء والفنانين لتأثيره النفسي والسياسي، تحول المواطن العربي إلى هجين تتلاعب بانفعالاته تلك الوسائل، وتزيد في الخصومات والانقسامات..
الآن، وبالرغم من اتساع المعلومات وتدفقها، وصعوبة حجبها، لا تزال الإشاعة تلعب دورها وبنفس أساليب المدارس القديمة، فمثلاً عندما تقدمت المملكة بالمشروع العربي للسلام فسّر بأكثر من مضامينه حتى من بين من لهم علاقة مباشرة به، وشكك آخرون بأن ربطوه باتفاق ثلاثي أمريكي، سعودي وإسرائيلي، في الوقت الذي لا تزال إسرائيل مترددة في قبوله، وعندما قامت المملكة بمساعٍ في جمع الفلسطينيين من أجل انهاء خلافاتهم، وكذلك في حل الإشكال السوداني بدارفور، ووضع حد للحالة اللبنانية، جاء من يقول إن السعودية تريد إزاحة دور مصر بأن تكون اللاعب الأساسي في هذه القضايا، بينما كانت المشاورات واللقاءات تتم بين البلدين دون أثر لمن يكون له الدور الفاعل، طالما البلدان يتجهان لنفس الغايات والأهداف..
في الأسابيع الماضية أثيرت إشاعات وشكوك بأن المملكة واليمن يقفان على حافة الهاوية حيث وصلت خلافاتهما إلى أقصاها، وقد فسر عدم اجتماع لجنة التنسيق بين البلدين بأوهام وإشاعات بددها السيد وزير خارجية اليمن أبوبكر القربي بالنفي التام، ولمن يجهلون أهمية البلدين لبعضهما في المسائل الأمنية، وتدفق المساعدات لبلد يعد الأقرب لتداخل الشعبين مع بعضهما في جميع المسائل الحساسة والعامة نقول إن هذا التطور في العلاقات هو الذي أثمر عن حلول لترسيم الحدود، وبشكل مثالي بعيداً عن المزايدات.
وأن تعاونهما في مكافحة الإرهاب والتنمية المستدامة، وتسهيل وصول العمالة اليمنية وتناميها للمملكة والمحاولات الجادة بدخول اليمن لعضوية مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب أمور كثيرة تتعلق بأساسيات الروابط الصعب فصلها أو تجاوزها بسبب أي خلاف أو تباين في الآراء يجعل هذه الأمور فوق الإشاعات أو من يزعم أنه قيم على رسم خطط البلدين في العديد من المجالات، أو تفسيرها وفض الجدلية التاريخية، واختلاف نظمهما الاقتصادية، أو الفوارق الاجتماعية..
لا تتعلق هذه الإشاعات بمن يغذيها ويعطيها تفسيرات تماثل ما كان يجري من حروب إعلامية عربية، أو مؤامرات، لأن الكل يفهم أن حصيلة تلك السلوكيات هي التي ورثت لنا تمزق خرائط أكثر من بلد عربي، وبروز نزعة الانفصال بأسماء المذاهب والقوميات، حتى إننا بآمالنا وأحلامنا أصبحنا مشدودين إلى يقين مشوش، ويأس عام يؤسسان لفشل دائم تتالى عليه الأجيال..