منذ وضعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قبل أكثر من ثلاث سنوات، ظلالاً من الشكوك على طبيعة البرنامج النووي الإيراني، لم تعمد الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات فعالة إزاء إيران مع أن لديها خيارات عدة لإعاقة الطموح الإيراني، ولديها القدرة على القضاء على هذا البرنامج أو إعادته سنوات إلى الوراء، أو وضع عقبات جدية تعيق إيران من امتلاك السلاح النووي. وقد ساعد ذلك على نشوء بعض القناعات الخاطئة لدى صناع القرار في طهران مفادها: انحسار قدرات الولايات المتحدة في المنطقة مقابل تعاظم قدرات إيران فيها. ولعل هؤلاء قد بنوا قناعات كهذه على عوامل عديدة كل منها له أهميته الخاصة:

1. الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق وتورطها في حرب قد تتطلب منها البقاء في هذا البلد لسنوات أخرى.

2. حاجة العالم أجمع إلى النفط بشكل متزايد وصعوبة قيام الولايات المتحدة بعمل قد يوقف الصادرات النفطية الإيرانية، وهي مهمة، وقد يعيق مسار صادرات النفط من دول الخليج العربية ويخلق بذلك مشكلات تلحق أضراراً بليغة بالاقتصاد العالمي.

3. الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في بناء وإدامة تحالف دولي فعال سياسياً ودبلوماسياً للتصدي للبرنامج النووي الإيراني.

وقد شجع ذلك إيران على المضي قدماً في برنامجها وصلب من موقفها في تجاهل النداءات الدولية لوقف هذا البرنامج، وعملت إيران خلال هذه الفترة على استغلال الحرب الأميركية في العراق واستغلال برنامجها النووي نفسه في إحداث شرخ في علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها في أوروبا من جهة، وفي داخل مجلس الأمن الدولي من جهة أخرى، ووسعت خلال ذلك نفوذها الإقليمي.

تتميز الإستراتيجيات السياسية الأميركية، على العموم، بكونها قصيرة المدى، إلا أن إدارة الرئيس بوش قد شذت عن سابقاتها حين وضعت برنامجاً بعيد المدى للتعامل مع مشاكل الشرق الأوسط، فمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنت من خلاله سياسات تدعو إلى تعزيز الاحترام للقانون الدولي وما ينبثق عنه من اتفاقيات وقرارات والترويج للديمقراطية والالتزام بالمواثيق الدولية حول حقوق الإنسان، هي بمثابة ابتعاد ملحوظ عن إستراتيجيات العقود السابقة التي سارت عليها الإدارات الأميركية المتعاقبة. ومع ذلك لا تزال هذه الإدارة غير قادرة على انتهاج سياسات تتفق مع هذه الإستراتيجية بل أن سياساتها في المنطقة قد أضرت بالإستراتيجية نفسها.

فالولايات المتحدة لا تزال تتعامل مع مشاكل المنطقة بمعزل عن بعضها البعض، وهنالك القليل من الأسباب لدى الأميركيين لوضع ثقتهم في إستراتيجية إدارة الرئيس بوش التي فاقمت مشكلات الشرق الأوسط بدل تخفيفها، فالاحتلال الأميركي للعراق لم يجلب استقراراً لهذا البلد أو للمنطقة بل حصل عكس ذلك.

كما أن البرنامج النووي الإيراني قد تسارع في مساره وأصبح التعامل معه أصعب عن ذي قبل، فالضغوطات المالية والعسكرية التي سلطتها الإدارة الأميركية على إيران لم تفلح في إرغام الأخيرة على إعادة النظر بعواقب المضي قدماً في برنامجها النووي. ويبدو أن من الصعب إيجاد حل بسيط وسهل للتعامل مع هذا البرنامج، فالخيارات المتاحة محدودة:

1. الخيار الدبلوماسي: رغم التعثرات التي رافقت الجهود الدبلوماسية التي قامت بها الترويكا الأوروبية طيلة الفترة الماضية، يرى دعاة الحلول السلمية ضرورة الاستمرار بها بدعم مباشر من الولايات المتحدة رغم أنها قد لا تثمر عن شيء في نهاية المطاف. فإستراتيجية كهذه تتطلب مرونة كبيرة من الطرفين،.

وإن نجاحها يتطلب أن يُأخذ بعين الاعتبار حقيقة إن إحراز التقدم في الملف النووي يتطلب حدوث تقدم في مجمل القضايا التي تعيق تطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية، أي التوصل إلى صيغة اتفاقية حول الأمن في المنطقة والتوصل إلى آلية لضمان حصول إيران على الوقود النووي الذي تحتاجه دون تعرضها لمساومات تنتقص من سيادتها الوطنية.

فالتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني يحتاج إلى خطة عمل تتقبل في تفاصيلها حلولاً لجميع المشاكل الكبيرة العالقة بين الطرفين. وهذا في الحقيقة غير متوافر في الوقت الحاضر بسبب التباين الكبير في المصالح الآنية وفي الأهداف المستقبلية. ولعل من أبرز المشاكل العالقة بين الطرفين، عدا البرنامج النووي، هي التدخل الإيراني في العراق والموقف من حزب الله والعداء المعلن لإسرائيل وملف حقوق الإنسان.

إن من ميزات الخيار الدبلوماسي، إتباع سياسة المشاغلة والاحتواء، وهي سياسة توفر فرصة لاختبار مدى اهتمام إيران بعقد صفقة لتبادل قدراتها النووية مقابل أمنها الحالي ومصالحها الاقتصادية التي هي الأكثر أهمية لسواد الشعب الإيراني. كما أن اتباع هذه السياسة سيقنع الإيرانيين بأن الوجود الأميركي في المنطقة لا يهدد أمن بلادهم، إلا أن هذا المسار قد اصطدم ولا يزال بعائق مهم، فقد كان أحد أبرز الشروط الأميركية للتفاوض مع إيران هو إيقاف تخصيب اليورانيوم.

وهو ما رفضته إيران. فلدى الأميركان قناعة بأنه ما لم يجر تباطؤ في البرنامج النووي الإيراني خلال السنتين المقبلتين، فسيتمكن الخبراء الإيرانيون من التوصل إلى مستوى من الأداء التقني يمكنهم من إخفاء أنشطتهم عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ويتيح لإيران فرصة وضع العالم بأسره أمام الأمر الواقع فيما بعد.

2. الخيار العسكري: تنفيذ ضربات جوية أو القيام بعمليات تخريب تنفذها طواقم الكوماندوس ضد المنشآت النووية الإيرانية وضد بعض المواقع الأخرى التي قد يصدر عنها ما يضر بمصالح الولايات المتحدة أو مصالح أصدقائها في المنطقة، إذ يبدو من مسارات الأحداث بأن هذا الحل هو ما يفضله الرئيس بوش وبعض الصقور في إدارته.

إلا أن على الولايات المتحدة أن تفترض بأن عمليات عسكرية من هذا النوع لن توفر لها سوى تأخير البرنامج لبضع سنوات، وليس من المحتمل أن تتمكن مع مَن سيشترك معها في التنفيذ في توظيف هذا التأخير لإنهاء البرنامج برمته.

فالضربات العسكرية قد تضاعف من إصرار إيران على امتلاك التكنولوجيا النووية كضمان لأمنها الوطني، وتحفزها على ردود أفعال قد لا تكون متوازنة مع حجم ما تتعرض له سواء بعدد المواقع التي قد تُستهدف أو طبيعة هذه المواقع والتي قد تجر إلى حرب طويلة مع إيران، فليس بالضرورة إن من يستطيع إشعال حرب قادر على إطفائها. وقد يؤدي ذلك إلى خلق أوضاع غير مستقرة في أحد أهم مناطق العالم التي توجد فيها الثروات النفطية، وقد تعرض الأمن القومي الأميركي إلى المزيد من المخاطر.

ومع أن الحل العسكري هو المرجح لدى إدارة الرئيس بوش إلا أنه لا يحظى بإجماع داخل هذه الإدارة، فقد نشرت شبكة أي بي سي الإخبارية، في الثاني والعشرين من مارس المنصرم، خبراً تسرب إليها من مصادر استخبارية مفاده مصادقة الرئيس بوش على خطة وكالة المخابرات المركزية لزعزعة الاستقرار في إيران. وهذا ما تعمد إليه الإدارات الأميركية فيما يتعلق بسياساتها للأمن القومي خاصة حين يكون هنالك خلافات عميقة داخل هذه الإدارات.

وسياسة كهذه ليس لها أهداف استراتيجية واضحة حول كيفية استخدام قدرات الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية لتحقيق هدف واضح ومعين. فالانقسامات داخل إدارة الرئيس بوش قد أدت إلى اتخاذ مواقف خاطئة اتجاه إيران ترتب عليها المزيد من التعقيد في الملف النووي الإيراني ودفعت إيران إلى توسيع دائرة مصالحها ونفوذها في العراق وأفغانستان على حساب المصالح الأميركية.

البرنامج النووي الإيراني بلا أدنى شك هو الموضوع الأخطر الذي يواجه الغرب وبالذات الولايات المتحدة، فما الذي سنشهده في المستقبل القريب من أحداث في ضوء التصعيد في الموقف الأميركي إزاء إيران الذي ابتدأ مع إدلاء الجنرال بترايوس والسفير كروكر بإفادتيهما أمام مجلس الشيوخ الأميركي في العاشر والحادي عشر من سبتمبر المنصرم؟

الشرق الأوسط يشهد توتراً خطيراً وتصعيداً غير مسبوق في مستوى التهم التي توجه إلى إيران، فقد اتهم الجنرال بترايوس قائد القوات الأميركية في العراق في السابع من أكتوبر الجاري السفير الإيراني لدى بغداد حسن كاظمي قمي بانتمائه لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وجدد اتهامه لطهران بتسليح الميليشيات في العراق. كما أعلن الجيش الأميركي في اليوم نفسه بأن قواته العاملة في بغداد قد تمكنت من إلقاء القبض على ثلاثة من رجال الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني يشتبه بتورطهم في اختطاف خمسة بريطانيين ببغداد في شهر مايو الماضي.

كما بدأ بعض كبار المسؤولين العراقيين بالإدلاء بالتصريحات التي تتهم إيران صراحة بالتدخل في الشأن العراقي، وهو ما لم يحصل في السابق.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae