في هذه الأيام من كل عام، يبدأ كل منا في التفكير فيما سيفعله خلال شهر كامل، يُعرف في ثقافتنا الإسلامية بأنه شهر العبادة، من صيام وقيام، ولكن اتجاهات التفكير تختلف من شخص لآخر؛ فبعضنا يفكر في الموائد الرمضانية، والأطباق الخاصة التي اشتاق لها ولم يذقها منذ عام كامل، وبعضنا يفكر في كيفية تنظيم وقته ما بين الفضائيات المختلفة المتنافسة، التي تغريه منذ شهر ـ على أقل تقدير ـ بإعلاناتها حول مسلسلاتها وبرامجها الرمضانية الحصرية وغير الحصرية.
وهو يسجل كل شيء في ذاكرته ـ التي لن تخونه في هذا الأمر غالبا-حتى يتمكن من التنسيق بينها ليحظى في النهاية بمشاهدة أكبر عدد منها، فيما يفكر بعضنا في السهرات الرمضانية في المقاهي والمراكز التجاري.
ويستغرقهم التفكير حتى لتكاد رائحة الأراجيل التي تميز السهرات الرمضانية على نحو لافت تزكم أنوفهم مقدما، كما لا يفوتهم التفكير في برمجة الزيارات العائلية بحيث تأخذ مكانها على الجدول الرمضاني، حتى لا تبقى ليلة رمضانية واحدة دون أن تُستغلّ في سهرة أو زيارة.
أما من منا يفكر في تنظيم وقته بحيث يتمكن من استغلال أوقات هذا الشهر الفضيل في القيام وقراءة القرآن وغيرها من طرائق التقرب إلى الله، فأعتقد أن جميع من سبقت الإشارة إليهم أعلاه ومن لم يُذكروا أيضا يفكرون في هذا، ولا أعتقد أن أحدا منا يغيب عنه الجانب الديني والروحي الذي يميز هذا الشهر الفضيل، مهما تباعدت اهتماماتنا.
واختلفت اتجاهات بوصلتها، لكن في نهاية الشهر، كم منّا -نحن جميعا الذين لم يغب عنا الجانب الروحي الرمضاني- كان راضيا عن أدائه في هذا الجانب بعد انتهاء الشهر؟ هذا هو السؤال المهم الذي يجب أن نطرحه في مثل هذا الوقت، حيث لا يزال الشهر في أوله، ويمكننا أن نفكر في أخطاء السنوات الماضية، لتجنبها في هذه السنة.
لن أتطرق كثيرا إلى ما يحدث بعد أن يتحول بياض اليوم الرمضاني سوادا، وسأحاول الاكتفاء بما أجملته أعلاه، ولكني أود أن أركز على كيفية قضاء اليوم الرمضاني فيما قبل ساعة الإفطار، لأن سلوك بعض الأفراد يجعلنا موضع استفسار من قِبَل بعض الأخوة من غير المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانينا من العرب وغير العرب، فنحتاج أن نشرح أن الإسلام ليس كما يظهر في سلوك كثيرين منّا، وأنه مختلف اختلافا يتفاوت بين سلوك وآخر.
أذكر أن إحداهن سألتني عن قيمة الصيام، ولماذا نصوم، علما بأنها تصوم مع المسلمين حبًّا في السلوك نفسه، ومجاراة للمجتمع الذي تقيم فيه منذ بضع سنوات، حتى أن بعض أبنائها يصوم كذلك على الرغم من أنه على مقاعد الدراسة، فأجبتها بأنه ركن من أركان إسلامنا، كي نتحلى بالصبر، وبالقدرة على الإمساك عن الملذات، ولنشعر بالفقراء المحرومين في مختلف بقاع الأرض ونكون أكثر رحمة بهم وإشفاقًا عليهم، وأن نفكر فيهم ونساعدهم على قدر الاستطاعة.
فسألتني: وهل يتعارض الصيام مع العمل؟ فنفيت ذلك، وأكدت لها أن الصائم يمارس عمله على نحو طبيعي، لا يمنعه عدم أكله أو شربه عن ذلك، بالعكس، يجب عليه أن يعمل كي يشعر بقيمة الصيام، ففاجأتني بقولها إنها تعرف مسلمين يقضون نهار رمضان في النوم، ويجمعون إجازاتهم ليأخذوها في رمضان فيسهرون طيلة الليل وينامون طيلة النهار..
وأنها من واقع عملها التدريسي تلاحظ أن نسبة الغياب تزداد بين الطلاب في رمضان على نحو لافت، مما يشير إلى أن الكثيرين يفضلون قضاء نهار رمضان في النوم على الذهاب إلى المدرسة أو العمل.
إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن سهر بعض الناس حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر لا يكون في القيام وقراءة القرآن أو حفظه أو في فعل شيء يتناسب مع روحانية هذا الشهر، إنما غالبا ما يكون تنقلا بين قناة وأخرى، أو بين مقهى ومركز تجاري.
أو في زيارة يجتمع فيها عدد من الأقارب أو الأصدقاء، يتحدثون فيها عن أشياء ترتبط بكل شيء إلا بالجانب الديني والروحي في رمضان. بل إن مواضيعهم قد تصل إلى حظيرة الغيبة والنميمة دون أن يرف لهم جفن، ودون أن تسري في أجسادهم قشعريرة الإحساس بالذنب على ارتكاب هذه الذنوب وإلقاء حرمة الشهر الفضيل وراء ظهورهم.
ولأن كثيرين من الناس يميلون إلى السهر غير المثمر في رمضان، فإن مطالبة بعض الأفراد بأن يكون رمضان كله إجازة رسمية (من المدرسة) للمدرسين والطلاب -اقتداء بإحدى الدول الشقيقة التي يبدو أنها ستنفذ هذا القرار ابتداء من العام المقبل- تبدو عبثية، لأن السبب العلني هو توفير فرصة للعبادة والتقرب إلى الله.
ولكن الذي سيحدث هو أن الكثيرين سيحيلون نهار رمضان ليلا -ويخصصونه للنوم فقط-، وليله نهارا -ويخصصونه للأكل والسهر واللعب ومشاهدة التلفاز-، وسيغيب الجانب الديني الذي كان علة المطالبة بتعطيل الدوام المدرسي عن أجواء الشهر بين كثير من العائلات.
وإذا كانت تلك المرأة غير المسلمة وأبناؤها يصومون رمضان من باب مشاركة أصدقائهم وجيرانهم طقسهم الديني هذا، فإن عددا من المسلمين لا يعرف متى يبدأ رمضان ومتى ينتهي، لأنه لا يصوم، ولا يهتم بأن يراعي مشاعر المسلمين الذين يحيطون به، فيخدشها بإصبع سيجارة يحترق بين أصابعه، وشمسُ يومٍ رمضاني لا تزال تتخذ مكانها في كبد السماء.
ربما لا تزال مثل هذه الحالات غير منتشرة في مجتمعنا على نحو علني كما هي في بعض الدول العربية التي خدش بصرنا فيها منظر غير الصائمين من المسلمين في رمضان، خصوصا حين كنا نسمع من أخوتنا من غير المسلمين التزامهم بصيام رمضان كله معنا لأنهم لا يشعرون بلذة للأكل ومعظم من حولهم صائمون، إلا أن عدم صيام رمضان من قِبَل بعض أفراد مجتمعنا حقيقة واقعة، ويوجد عدد لا يُستهان به من أبنائنا يحتاجون توعية بأهمية الصيام، وقيمته، لأن عدم احترامهم له والتزامهم به سبب الجهل أكثر من شيء آخر.
أعتقد أن علينا أن نبدأ في إعادة تشكيل وعينا بمفهوم الصيام، وبالحد الفاصل بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، ليس فقط حين ينقضي بياض اليوم ويبدأ سواده في الهبوط، بل العكس أيضا. ويجب أن ننظر إلى الصيام ليس بوصفه مجرد فريضة، إنما بوصفه رياضة للروح والجسد، ووسيلة لترويض النفس الإنسانية، وتنقيتها من الشوائب التي تعلق بها خلال بقية شهور السنة.. وكل عام وجميع الشعوب الإسلامية بألف خير.
جامعة الامارات