حوّل الجيش التركي علمانية نظام الحكم إلى طقوس وتقاليد وأوهام لا علاقة لها بالعلمانية ولا بالحكم، واعتبر جهله بالعلمانية وأوهامه تجاهها قيماً وإجراءات ثابتة لا تحول ولا تزول مطلقة الصحة و(القدسية) لا يتدناها الشك من بين يديها ولا من خلفها، وأخذ يقيس كل قانون أو نظام أو توجيه سياسي أو حتى تصرف شخصي (كالحجاب والصلاة وعقوبة الزنى والمصافحة وغيرها) بمقاييس وضعها هو و(فلاسفته)

واختصر مفاهيم عصرنا واحتياجاته وقيمه وقوانينه وشروط تطوره ومصالح الناس بفهمه للعلمانية التي نسجها من أفكار خاطئة ونصبها في مكان خاطئ وفي زمان لم تعد فيه جديرة بالاستمرار بهذه الصيغة المصنوعة عسكرياً في مجتمع تركي مرت عليه ثمانية عقود وهو يرزح تحت هذا النوع من العلمانية التي قل نظيرها في عالمنا وفي العوالم السابقة. وصار بذلك خطراً على العلمانية نفسها مفهوماً وممارسة.

لكي نكون أقرب لفهم ما يجري ينبغي أن نعود لأصول تبني نظام الحكم التركي للعلمانية والأسباب التي أحاطت بذلك كي نستطيع إدراك تداعيات هذا التبني والتطبيق المعمول بهما حالياً، والإشكاليات التي نشأت وتنشأ كل يوم عنهما،

ونشير في هذا المجال أن مصطفى كمال أتاتورك لم يتبن العلمانية التركية نتيجة حلم رآه في منامه أو رغبة ذاتية طارئة بل استجابة لشرط موضوعي يتعلق بأحداث وظروف وتطورات مر بها هذا البلد بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث قرر الحلفاء في معاهدة (سيفر) بالنسبة لتركيا وعقدوا النية اقتطاع شرقها لأرمينيا وجنوب شرقها للأكراد وغربها لليونان التي كانت تحتله واعتبار (الآستانة)

أي اسطنبول الحالية والمضائق البحرية المجاورة منطقة محايدة فضلاً عن تنامي المطامع الفرنسية والإيطالية، وعليه فقد تقرر تفتيت تركيا التي كانت حتى ذلك الوقت سلطنة تحت حكم الخليفة محمد السادس الذي قبل بهذه النتائج،

وحشدت إنجلترا أنصار الخلافة لتأييد المعاهدة والخلافة، فأيدوهما دون تحفظ مع أن الأغلبية من الشعب التركي كانت تشعر بالمهانة بسبب انهيار السلطنة العثمانية وسلخ ممتلكاتها عنها (وخاصة العربية منها) ومحاولة تقسيم تركيا وربما تحويلها إلى دويلة صغيرة بائسة بعد أن كانت ممتلكاتها تمتد من شرق أوروبا إلى غرب آسيا إلى شمال أفريقيا،

وكان ذلك كله مدعاة لثورة داخلية تركية تنقذ ما يمكن إنقاذه وهذا ما قام به مصطفى كمال أتاتورك والجيش التركي، حيث رأيا أن المشكلة تكمن في نظام السلطنة المتخلف ونظام الخلافة، فقاد أتاتورك الجيش التركي إلى الغرب وهزم الجيوش اليونانية وحرر غرب تركيا وسُمي ذلك (يوم النصر)

حيث تحتفل به تركيا حتى الآن، (ويتناقل الأتراك قصة طريفة تقول أن أتاتورك كان يشاهد مسرحية وطنية في شمال البلاد قالت فيها إحدى الممثلات من ينقذ تركيا؟ فقال أتاتورك أنا لها) وخرج وقاد الجيوش إلى الغرب لحرب اليونان.

وبعد ذلك فصل الخلافة عن السلطنة باعتبار أن الخليفة كان (في قفص) ثم ألغى الخلافة وبعدها السلطنة وحول نظام الحكم إلى نظام جمهوري، فقد رأى أن الحل الوحيد لمشاكل تركيا الناجمة عن الهزيمة في الحرب الأولى وتخلفها الداخلي يعود للسلطنة والخلافة،

وأن تقليد الدول الأوروبية كفيل بتحقيق الأهداف، ففرض نظام حكم جديد جمهوري علماني ديمقراطي قاومه أنصار الخلافة وأيده معظم الشعب التركي ورداً على ذلك لم يتردد في سلوك طريق التطرف وخاصة في مجال فصل الدين عن الدولة حتى أنه كاد يفصل الدين عن المجتمع، لكنه ـ مع ذلك ـ أسس مديرية للشؤون الدينية تابعة للدولة،

ومن قراراته في ذلك الوقت (إلغاء الطربوش وفرض لباس البرنيطة، وإلغاء الحجاب والتضييق على رجال الدين بل على المؤمنين عامة)، ويذكر (في هذا المجال أن والدة مصطفى كمال أتاتورك وزوجته بقيتا محجبتين حتى صدور القوانين الجديدة عام 1927)

وقد رأى أتاتورك أن هذا التطرف أو التعصب الذي لا علاقة له بالعلمانية في الواقع هو الحصن الحصين أمام نهوض أنصار الخلافة وأنصار النظام القديم، ومنذ ذلك الوقت مازال الجيش التركي يتمسك بما أمر به أتاتورك ونفذه رغم تغير الظروف والأحوال التي أدت إلى ذلك،

وهكذا صار تطبيق العلمانية في تركيا من قبل الجيش التركي ببغائي وصوري وطقسي رغم مرور السنين وتغير الأحوال، واستغل الجيش التركي ما أعطاه القانون الأتاتوركي والتعديلات اللاحقة للدستور من مسؤولية حماية النظام العلماني ومؤسساته فرأى أن من حقه أن يحكم تركيا وهذا ما فعله طوال عشرات السنين، وعندما كان تطبيق الديمقراطية لا يعجبه كان ينقلب عليها، حتى أنه نفذ الإعدام بقادتها في النصف الثاني من القرن الماضي (عدنان مندريس).

فات الجيش التركي أن جوهر النظام العلماني هو احترام آراء الناس وحرياتهم الدينية وأنظمتهم الديمقراطية، وأن تطبيقها يختلف من بلد إلى بلد حسب ظروف التطور وحاجة الناس وأنها لا تعني مطلقاً فصل الدين عن المجتمع أو الحياة،

بل تعتبر النظام السياسي اختياراً بشرياً وليس طريقاً للجنة، فالنظام العلماني الأميركي مثلاً هو غير النظام الفرنسي بسبب معطيات التاريخ، فما زال النظام في الولايات المتحدة يكتب على عملته (نثق بالله) لكن لا يفرض القَسم الديني في المحاكم ولا يعتبر أن للدين أو الطائفة أي مرجعية بل ثقافة فردية لأبناء المجتمع وعلاقتهما إنما هي بين الإنسان وخالقه،

أما العلمانية الفرنسية فقد حرمت الكنيسة من صلاحيات عديدة منها ضريبة العشر أو مباركة الحكام أو غيرها لأن الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية كانت تابعة لكنيسة روما وغير مستقلة ثم فصلها الفرنسيون وحددوا صلاحياتها، وهكذا فإن العلمانية تمتاز بجوهرها الديمقراطي وبالمساواة والحرية والعدالة واحترام المعتقدات وليست بطقوسها ويعود تطبيقها لظروف كل بلد،

أما الجيش التركي فقد استغل تاريخاً طويلاً وحوّل النظام العلماني إلى طقوس ومسموحات وممنوعات، وأصبح الحجاب وممارسة الشعائر الدينية بنظره هي معاداة للنظام السياسي العلماني الذي هو حارسه، وهكذا صار النظام السياسي العلماني بفعل ممارسات الجيش التركي (كاريكاتيراً) مهمته حماية امتيازات العسكريين،

وبديهي أن العلمانية ليست كذلك، فقد غالت قيادة العسكر في (علمانيتها) حتى أن أعضاءها أعطوا لأنفسهم الحق بعدم حضور تنصيب رئيس الجمهورية وعدم مصافحته لأن زوجته محجبة ولذلك لم تُدعَ لحفل التنصيب ودخلت القصر الجمهوري من باب فرعي، وفي هذا السلوك من الخفة وانعدام المسؤولية الشيء الكثير.

إن سلوك العسكر التركي هذا يسيء للعلمانية، تماماً كما يسيء للإسلام سلوك المتطرفين الذين يؤمنون بالعنف ويكفرون الأفراد والأنظمة السياسية على خلاف ما جاء به الدين الحنيف، وقد ارتكبوا بسبب إيمانهم هذا مجازر بحق مسلمين آخرين وغير مسلمين تحت شعارات ومبررات لا علاقة للإسلام بها، فضلاً عن تكفير من لا يؤمن بما يؤمنون.

إن خطر الجيش التركي على النظام العلماني أصبح واضحاً تماماً كما هو خطر المتطرفين المتأسلمين أنصار العنف والتكفير على الإسلام.

كاتب سوري