بالأمس القريب التقى البابا بنديكتوس السادس عشر بخمسمئة ألف شاب وسط ايطاليا وخطب فيهم. ومن جديد راح يندد بانحرافات الحضارة الغربية ولهاثها وراء النجاح المادي و الشهوات الجنسية والحياة الاستهلاكية المسعورة ونسيان الدين والروحانيات.

وهذه فرصة ينبغي انتهازها للعودة الى أفكار هذا الرجل الذي لا يستهان بأهميته وقيمته.والسؤال المطروح بداية هو التالي: كيف يشخص مرضنا ومرض الغرب في آن معا؟ وأين أخطأ وأين أصاب؟ وهناك سؤال ثالث لا يقل خطورة ان لم يزد هو التالي: هل سيساهم في إسقاط الأصولية المتطرفة التي أدت الى 11 سبتمبر مثلما ساهم البابا السابق في إسقاط ما يمكن ان نسميه بالأصولية الشيوعية التوتاليتارية؟

ينبغي القول أولاً بأنه بابا عقائدي أكثر مما هو سياسي شعبوي على عكس سلفه الكبير يوحنا بولس الثاني. بل إنه أحد كبار علماء اللاهوت في القرن العشرين بحسب اعترافات المختصين بالموضوع. ويقال بأن مكتبته الشخصية تحتوي على ما لا يقل على عشرين ألف كتاب.

ومعرفته لا تقتصر على علم اللاهوت الديني كما هي حال معظم شيوخ المسلمين للأسف الشديد وإنما تتعداه إلى الفلسفة والمعرفة الدنيوية. فهو خريج الجامعات الألمانية العريقة التي تجمع بين الدين والفلسفة والتي أنجبت كبار فلاسفة العصور الحديثة: من كانط، إلى فيخته، الى شيلينغ، إلى هيغل، إلى نيتشه وهيدغر، وآخرين عديدين.

ولكن مشكلته هي أنه حصلت لديه ردة فعل قوية ضد التيار التحرري الجنسي الذي اكتسح أوروبا في الستينات من القرن الماضي وأدى إلى تدمير القيم التقليدية. ويقال بأن الطلاب الثائرين دخلوا عليه في الصف وأزعجوه شخصياً عندما كان يلقي محاضرة في جامعة توبنغين على ما أعتقد. وعندئذ ندم على الانفتاح اللاهوتي الذي صدر عن المجتمع الكنسي الشهير باسم الفاتيكان الثاني (1962-1965) والذي كان قد ساهم فيه بفعالية.

ومعلوم أن مقررات هذا المجمع الديني الكبير وفتاواه اللاهوتية هي التي صالحت المسيحية مع فلسفة التنوير والحداثة. أو قل صالحت بين المذهب الكاثوليكي لأن المذهب البروتستانتي كان قد سبقها إلى تلك المصالحة ولم تحصل بينه وبين الحداثة صدامات مروعة كما حصل في الجهة الكاثوليكية.

وبالتالي فقد أصبح الكاردينال راترينغر (أي البابا بنديكتوس السادس عشر لاحقاً) أكثر تشنجاً ضد روح الأزمنة الحديثة بعد الثورة الطلابية والنزعة الفوضوية والإباحية الجنسية التي اكتسحت مجتمعات الغرب. نقول ذلك وبخاصة أنه ساهم في بلورة القرارات اللاهوتية الخطيرة التي أصدرها مجمع الفاتيكان الثاني والتي أعلن فيها أيضاً الانفتاح على الأديان الأخرى وبخاصة الإسلام.

وقطع بذلك تراثا طويلا عريضا من العداء والخصومة التاريخية. وبالتالي فالعارفون يقولون لك: لقد كان منفتحاً في بداياته ثم أصبح منغلقاً أو محافظاً فيما بعد. فهل ندم على انفتاحه على الحداثة يا ترى؟ في الواقع إنه أصبح يخشى على الغرب من العدمية الإعتقادية ومن النسبويّة: أي من النظرية العدمية التي تقول بان كل شيء يتساوى مع كل شيء. ولم يكن مخطئاً تماماً..

والآن نطرح هذا السؤال: ما هي الخطوط العريضة لفلسفة هذا البابا المشهور بأنه فيلسوف بقدر ما هو رجل دين؟ إنها تتلخص بكلمتين اثنتين: الغرب أغرق في الإلحاد والماديات، والعالم الإسلامي أغرق في التعصب الأعمى والغيبيات. وبالتالي فمرض الإسلام (أو العالم الإسلامي إذا شئتم) مضاد لمرض الحضارة الغربية الحديثة. إنه من طبيعة معاكسة تماماً.

ولهذا السبب فإن البابا يحذر الناس دائماً من الأمراض التي قد تصيب العقل، والأمراض التي قد تصيب الدين. الأولى لها مدلول أساسي هو غياب الله عن منظور الإنسان أو أفقه. فالإنسان الغربي لم يعد يؤمن إلا باللذات والشهوات والأشياء المحسوسة والماديات. لقد أصبح أطرش تجاه نداء الله ولا يسمعه على الإطلاق.

صحيح أن ثقافة الغرب تعددية ديمقراطية وتؤمّن التسامح والحرية الدينية لجميع البشر. وهذا إنجاز رائع يحظى برضى البابا ولا يتراجع عنه. ولكنها متسامحة مع كل شيء في رأيه ما عدا شيء واحد هو: الإيمان بالله والتعالي الرباني!

وبالتالي فإن البابا في محاضرته الشهيرة التي أقامت العالم الإسلامي ولم تقعده صبَّ جام غضبه على أمراض الغرب بالدرجة الأولى وليس علينا نحن. وقال بأن العلمانية المتطرفة والعقلانية الجافة تشكلان المرض القاتل للحضارة الغربية.

ولكنه ليس ضد العلمانية المعتدلة او المنفتحة ابدا. على العكس انه يعترف بها ولا يدعو إطلاقا للتراجع عنها. فقط يأسف لان الغرب أغرق في العلم والتكنولوجيا وأغرته النجاحات الكبرى التي حققها في هذا المجال إلى درجة أنه أصبح مزهواً بنفسه ومغروراً متكبراً. لقد أصبح ينكر وجود كل حقيقة تتعالى على الماديات أو تقف وراء الماديات.

لقد أغرق الغرب في العقلانية إلى درجة أنه ولَّد أخيراً عقلانية ناشفة لا روح فيها ولا إحساس... وبالتالي فهناك إفراط في العقل وإهمال كامل للدين والروحانيات في الحياة الغربية بدءاً من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة. ولا ينبغي أن ننسى التلفزيون واستهزائه بكل القيم الدينية وبالبابا نفسه بل وحتى بالسيد المسيح بذاته!.

أما عالم الإسلام فيعاني من مرض معاكس تماماً هو: نقص العقل والعقلانية. إنه يعاني من مرض خطير يصيب كل الأديان ألا وهو: الانغلاق المطلق او التعصب الأعمى الذي يخلع المشروعية الإلهية على العنف والتفجيرات الإرهابية التي تحصد المدنيين العزّل بالعشرات والمئات وربما الألوف (11 سبتمبر). وبالتالي فالأصولية الدينية المتطرفة عمياء أمام أنوار العقل.

وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بالذكرى السادسة لضربة 11 سبتمبر الارهابية يتخذ كلام الحبر الأعظم كل أبعاده وأهميته. فهذا الحدث الذي غير مجرى التاريخ الكوني اكبر دليل على مدى أزمة العالم الاسلامي مع نفسه قبل غيره. ولكن المكابرين يكابرون ولا يعترفون بالحقيقة حتى الآن.

لو اكتفى البابا بهذا التشخيص لما كان هناك أي اعتراض على كلامه. ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك. فقد اتهم الدين الإسلامي في جوهره بأنه مضاد للعقل على عكس المسيحية. وبالتالي فالإصلاح مستحيل لأن الدين نفسه غلط! ! هذا الكلام ما كان ينبغي أن يصدر عنه وهو العالم والفيلسوف الكبير. نقول ذلك وبخاصة أنه أول من يعلم بأن المسلمين يعيشون الآن تاريخاً بالغ الصعوبة والتعقيد.

وبالتالي فهم بحاجة إلى من يساعدهم على تشخيص مشكلتهم لا إلى من يعقدها أكثر فأكثر.أضيف الى ذلك قائلا بان على الغرب ان يكف عن مهاجمة مقدساتنا وبخاصة شخصية النبي الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم.

أقول ذلك على وقع ما حدث في السويد مؤخرا والذي كاد ان يعيدنا الى قصة الدانمارك وما نتج عنها من آثار سلبية مدمرة. فليس بهذه الطريقة يحصل الاصلاح الديني في الاسلام. على العكس تماما. ولحسن الحظ فان الحكومة السويدية أخذت عبرة من تجربة الدانمارك المؤلمة لنا جميعا وتصرفت بحكمة. وهذا ليس غريبا عن بلد يعتبر من اكثر البلدان حضارية ورقيا في العالم.

فالحق ليس على الدين في ذاته أو جوهره ولا على نبيه الكريم وإنما على الفهم الخاطئ للدين. والاسلام اعترف بكل انبياء بني اسرائيل وكذلك بالسيد المسيح وأمه مريم العذراء ورفعهم الى أعلى مقام. ولا يوجد مسلم واحد يخطر على باله مهاجمتهم او النيل منهم، معاذ الله.

فليكف الآخرون اذن عن مهاجمة نبي الاسلام بطريقة اقل ما يقال فيها انها ليست حضارية على الاطلاق. ولكن كل الأديان حاربت العقل في لحظة ما من لحظات تاريخها: أي في لحظات التقهقر والتراجع والانغلاق على الذات.

والصراع بين العقل والدين، أو بين الوحي والفلسفة، يخترق التاريخ البشري كله من أوله إلى آخره. بل إن الإسلام هو الذي سمح بتفتح العقل والفلسفة في القرون الأولى قبل أن يجمد وينضب. وهو الذي نقل الحضارة إلى أوروبا إبان العصور الوسطى من خلال الأندلس.وفي ذلك الوقت كانت المسيحية ضد العقل وكانت أوروبا غارقة في ظلام الجهل.

فكيف يمكن للبابا، وهو المطلع الكبير والعالم النحرير، أن يجهل كل ذلك؟ وكيف يمكن لمثقفي الدانمارك والسويد وهم من أذكى المثقفين في العالم ان يفوتهم ذلك؟ ولكن يبقى صحيحاً القول بأن الإسلام بعد ذلك توقف عن العطاء والابداع الحضاري ودخل في عصور الجمود والانحطاط.

وأصبح الفهم السائد عنه معادياً للفلسفة والعلم والانفتاح والتسامح. ولا نزال ندفع (فاتورة) هذا التوقف حتى الآن. وبالتالي فكلام البابا ينطبق على العالم الاسلامي ابان عصور الانحطاط فقط.ولكنها عصور لا تزال مستمرة حتى الان للأسف الشديد.ولهذا السبب اصبح يتطاول علينا المتطاولون..

في الواقع إن البابا يظل أسير أصوليته المسيحية الكاثوليكية على الرغم من علمه الغزير وانفتاحه الفكري على العقل والفلسفة. والدليل على ذلك موقفه السلبي من البروتستانتيين الذين يشتكون منه في ألمانيا، بلده الأصلي، منذ سنوات عديدة.

فهو يعرقل التقارب بين المذاهب المسيحية وانفتاحها على بعضها البعض. لماذا؟ لأنه يعتقد بأن المذهب الصحيح في المسيحية هو المذهب الكاثوليكي فقط. إنه المذهب الذي يحتكر الحقيقة المطلقة للمسيحية في رأيه. وبالتالي فكيف يمكن أن نضع المذهب البروتستانتي على قدم المساواة معه؟ مستحيل. هنا يكمن الموقف الأصولي بامتياز.

ينبغي الاعتراف أخيرا بأن الرجل مشى نحو الإسلام والمسلمين خطوة ايجابية لا يستهان بها عندما صلى مع شيخ الإسلام في الجامع الأزرق بتركيا خاشعا ومتوجها نحو مكة المكرمة. وهذا اكبر دليل على رغبته في الحوار وطي صفحة العداء التي سادت القرون الوسطى الطويلة. فهل سيفتح رجال الدين في كلتا الجهتين صفحة جديدة لتجاوز الآثار السلبية المدمرة الناتجة عن ضربة 11 سبتمبر الإجرامية؟

كاتب سوري - باريس