لو لم تكن هناك محكمة خاصة ذات طابع دوليّ للنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، لكان كل ما نشهده من تطورات ولا سيما تلك التي تتعلّق بالإستحقاق الرئاسي، مختلفا كلياً عما هو مع المحكمة الدوليّة.
واجه لبنان منذ إغتيال الرئيس الحريري سلسلة من التحديات والإستحقاقات، ومَن ينظر الى الإستحقاق الرئاسيّ، الطاغي هذه الأيام على ما عداه من إستحقاقات فكأنه يتعاطى مع التطورات بطريقة مبتورة لأنه لا يمكن مقاربة ملف الإستحقاق الرئاسيّ من دون ربطه بملف الإستحقاق القضائيّ الدوليّ .
خصوصاً أن المدة المطلوبة لإنجاز هذا الأخير، توازي زمنياً عهداً بكامله، أي أن هذه العملية سيفتتح بها الرئيس العتيد عهده. ولا يُعقَل أن يتم هذا (الإفتتاح) من دون أن يكون مَن يختاره النّواب مُلمٍّاً بهذا الملف، ثم أن المرحلة الأولى من عمل المحكمة ستستغرق نحو ثلاث سنوات، أي أن العهد يكون صار في منتصفه.
بهذا المعنى فإن الدور الذي اضطلع به وزير العدل شارل رزق يمكن القول إنه (أخذه بصدره)، متحمِّلاً سِهام الأقربين والأبعدين والتهديدات والترهيب والتهويل، وكل ذلك من أجل ثنيه عن السير في هذا الملف.
كان يمكن للوزير رزق أن يختار الطريق الأسهل الخالية من الأشواك والألغام، ويقول: المسألة ليست مسؤوليّتي منفرداً، فهي قضية الحكومة جمعاء، فما توافق عليه أوقعه وما تتردد فيه أضعه جانباً.
لم يختر هذه السهولة، وفي الوقت عينه لم يستسهل الأمور، بل قرَّر الخوض في الملف حتى النهاية، مُدرِكاً أن هذه القضية هي الكبرى على رغم أن قضايا أخرى استجدَّت على الطريق وكادت أن تخطف الضوء منها.
الفريق الذي يشارك الوزير رزق في هذه القضية، تعرّض بدوره لشتّى أنواع الإبتزاز والإستفزاز، فهذا يُهدِّد وذاك يتوعَّد، لكن ثبات الوزير وتعهده لفريقه بأنه يُشكِّل الضمانة لهم، على رغم أنه الأَولى بأن تؤمَّن الضمانة له، جَعَل هذا الفريق (على صورة وزيره ومثاله): لا يتراجع بحق ولا يتردَّد بضمير.
إن العهد الآتي هو عهد الملفات الكبرى، وفي طليعتها المحكمة، ورُعاتُها العدل اللبناني والعدَالة الدولية، ويُخطئ مَن يعتقد بأن المرحلة الآتية يمكن أن تُقلِع من دون المزاوجة بين (العدلين)، هذا من دون الإسقاط من الحسابات السياسيّة أن هناك ظروفاً محلية ودولية من شأنها أن تحسم الخيارات، في نهاية المطاف. والمؤكد والمعلوم أن الضوء الاخضر الخارجي والتوافق المحلي هما في نصف الساعة الأخيرة.