بشكل واضح وصريح ، شرح جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين لمساعد وزيرة الخارجية الأمريكية ديفيد ولش أهمية تهيئة الظروف المناسبة لنجاح اللقاء الدولي الذي دعا إليه الرئيس جورج بوش الأطراف المعنية بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي ، تلك الظروف التي يمكن ايجادها إذا أدرك الجميع القيمة الحقيقية لعملية سلام تعطي للفلسطينيين حقهم في دولة مستقلة ، وتفتح الطريق لإنهاء الصراع العربي الاسرائيلي على مبدأ استعادة الأرض مقابل السلام.
لقد استمع المسؤول الأمريكي إلى وجهة نظر الزعيم العربي الوحيد الذي يقوم بأكبر تحرك سياسي في سبيل تشكيل تحالف قوي يدعم فرصة السلام المتاحة والتي تبدو له الأخيرة إن هي ضاعت هذه المرة لأي سبب من الأسباب ، ذلك أن المنطقة محتقنة بصراعات ونزاعات وتوترات قابلة للانفجار في حال اليأس من حل سلمي للصراع الفلسطيني الاسرائيلي لأن قوى التطرف والعنف تنتظر لحظة من هذا النوع لكي تثبت وجهة نظرها مستدلة على استمرار الاحتلال الاسرائيلي وعلى قبول الولايات المتحدة لاستمرار ذلك الاحتلال.
السيد ولش ووزيرة الخارجية كوندليزا رايس وقبلهما الرئيس بوش وكبار مساعديه يدركون أن الاتصالات التي يجريها جلالة الملك مع مختلف الأطراف تتجاوز مفهوم التشاور التقليدي إلى مفهوم بناء الموقف المشترك الذي يقوم على عدة محاور رئيسية: أولها محور الأمن الإقليمي ، وثانيها واقع ومستقبل المنطقة ، وثالثها التغيير الفكري والثقافي المرتبط سلبا أو ايجابا بفشل أو نجاح العملية السلمية.
من الواضح أن جلالة الملك ليس مرتاحا لبعض المؤشرات التي تدل على أن الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي يمران في مرحلة معقدة بسبب الانقسامات السياسية لدى كل طرف ، فضلا عن الأجواء المتوترة بين سوريا واسرئيل وافرازات الوضع الراهن في كل من العراق ولبنان ، لكن الفارق الجوهري فيما يراه جلالة الملك وما يراه آخرون هو أن هذا الوضع يجب أن يكون حافزا قويا لتحقيق هدف السلام وليس تعطيله بحجة أن الأجواء ليست مواتية ، لأن المنطقة تقف على مفترق طرق فإما أن تذهب إلى الانفراج والتهدئة أو إلى الفوضى والحروب.
هناك الان حركية سياسية في اتجاهات كثيرة إلى جانب التحرك الكبير الذي يقوم به جلالة الملك فجولة ولش من جهة والاتصالات التي يقوم بها توني بلير مع الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في اطار اللجنة الرباعية الدولية وكذلك تحرك اللجنة الرباعية العربية فضلا عن الجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ودول فاعلة في السياسة الدولية ، وكلها تؤكد لنا وجود رؤية مشتركة للوضع الراهن ، ولكن نجاح اللقاء الدولي يعتمد في معظمه على جدية الإدارة الأمريكية وتلك هي الرسالة التي يوصلها جلالة الملك إلى الأمريكيين في كل الاتصالات التي تشهدها عمان وواشنطن ، ويبعثها أو يتحاور حولها مع جميع الأطراف المعنية دون استثناء.