نسمع منذ أشهر باحداث تغيير في العراق، ولكن لا أحد يعرف طبيعته، وما الذي ستقرر عمله الولايات المتحدة.. وخصوصا بعد ان يقدّم ديفيد بيتريوس قائد القوات الأميركية تقريره المحوري بمشاركة ريان كروكر السفير الأميركي ببغداد في منتصف سبتمبر القادم، ليرى ما سيتضمنه التقرير عن الأوضاع السياسية والأمنية الداخلية.

واعتقد ان التغيير المرتقب سوف لن يقتصر على أوضاع الاميركان، بل سيكون داخليا واقليميا ودوليا، ان التصدعات التي أصابت العملية السياسية لأسباب طائفية ومحاصصية، والاخفاقات التي منيت بها الحكومة في معالجة الأوضاع، وقيام (العراق الجديد) على أسس خاطئة منذ البداية ..

قد فاقم المشكلات كثيرا، خصوصا في ظل حكومة فاقدة للإرادة ويمثّل أعضاؤها تكتلات وأحزاباً متناحرة ناهيكم عن أن هيمنة المحتل بشكل مطلق ليس على الأداء الحكومي، بل في صناعة التوجّه العام في الداخل والاقليم معا.. ولا أدري ما نفع زيارات لا نفع فيها، يقوم بها مسؤولون عراقيون إلى دول مجاورة لهم من دون أي معالجة حقيقية للمشكلات الداخلية التي تعصف بمصير العراق كله.

ان الرهانات الدولية التي تعّبر عنها المواقف الأوروبية ممثلة بفرنسا والتي عبّرت عنها زيارة برنار كوشنير إلى بغداد ستفتح الباب امام دول أخرى لبدايات من نوع جديد في الخريف المقبل.. ونحن نعلم بأن استراتيجيات المجتمع الدولي ازاء العراق تختلف جملة وتفصيلا عن رهانات دول الاقليم، خصوصا بعد ان غدا العراق ضعيفا تتناهبه الصراعات والهيمنة والانقسامات الحادة، فضلا عن اخفاقات العملية السياسية التي خلقتها عوامل غير بريئة.

وان معالجة أوضاع العراق لا يمكنها ان تقتصر على تبديل وزراء أو تغيير حتى وزارة، بل تتطلب تغييرا جذريا لمجمل الأسس التي قامت عليها العملية السياسية نفسها ناهيكم عن مساهمة اقليمية ودولية بشكل جديد وغير معتاد كي تتوفر فرصة تاريخية يستطيع العراق بواسطتها ان يثبت قدرته على الحياة من جديد.

ان مأساة العراق لن يدركها بعد المسؤولون العراقيون الذين لا يعبرّون معا عن إرادة واحدة، وان افتقاد اي مشروع وطني يجمعهم من اجل العراق جعلهم يهتمون في أمور هامشية سوف لا تنفع ابدا، وسواء أعيد فتح سفارات عربية أم لا، فالمسألة ليست جوهرية أبداً بقدر ما يمكن ان تقدمّه دول الاقليم للعراق في لحظاته التاريخية الحرجة، وعدم ترك العراق يتخبط في مآسيه وهي تتفرج عليه، بل وهي تعلم علم اليقين حجم الاختراقات على ساحته من قبل دول مجاورة.

لقد تبلور تغير في التوجهات الفرنسية بمجيء ساركوزي إلى حكم فرنسا.. ويبدو ان مشكلات شرق أوسطية عدة في طريقها إلى الحلحلة بحكم هذا العامل .ان قرار مجلس الأمن 1770 الذي تبناه أعضاء المجلس قبل أسبوعين تضمن توسيع دور الأمم المتحدة في العراق وتشجيع مسائل المصالحة ومعالجة الدستور وتعزيز الدور الإنساني.

انني اعتقد ان الأمم المتحدة لو نجحت بإحياء دورها المنكمش في العراق، فسيكون له تأثير ايجابي خصوصا وان يلعب كل من الفرنسيين والألمان والروس دورهم بعد معارضتهم للحرب . ولعل من أهم ما يمكن ملاحظته والتوجس منه تلك السياسة الزئبقية لروسيا إزاء العراق وتحولها بالكامل إلى إيران لأسباب استراتيجية بحتة يلعب كل من النفط وهيمنة الولايات المتحدة دورا خطيرا في بلورة المصالح .. بل وتشابكاتها الاقليمية والدولية معا.

ان اي تقارب أوروبي أميركي بإرادة مجتمع دولي إزاء العراق سيؤدي مهمته في ضرب اي استراتيجية اقليمية ضد العراق واختراقاته من قبل أية جهة ان التي تراهن على انقسام المجتمع الدولي ازاء العراق وخصوصا باللعب بأوراق الشرق الأوسط في أكثر من مكان فيه بالمال والسلاح والميليشيات ! بل وان فكرة الميليشيات التي قام البعض بتصديرها إلى دول معينة مثل لبنان والعراق وخلق دويلات اوليغارية داخل الدول قد ساهم بتحطيم هذه الدول وخلقت فيها الانقسامات والصراعات ليس السياسية فحسب، بل الاجتماعية أيضا.

ان اي تبديل أو محاولة اصلاح في العراق لا يأخذ بنظره إنهاء كل الميليشيات والتشكيلات المرتبطة بها سوف لن يصنف ابدا تغييرا نوعيا في سلم الأولويات.. وان ابقاء هذه القوى الاوليغارية المرتبطة بدول مجاورة سيعمل بالضرورة على تفتيت العراق ليس إلى ثلاثة أقسام، بل إلى 18 كانتونا هزيلا بحكم تقسيم العراق الإداري إلى 18 محافظة، ان التغيير المنشود لابد ان يطال كل القيادات والتكوينات السياسية التي تقف على رأس تلك الميليشيات..

اي بمعنى الحاجة إلى القطيعة التامة مع النهج الذي اتبعه العراقيون منذ العام 2003، والبدء بمنهج جديد. يعتقد العراقيون بأن هذا «الحل» فوق امكاناتهم بكثير، بل ويستحيل تحقيقه من قبلهم، فهم يمثلون انقسامات العراق. وعليه، فان قدرة فهم المجتمع الدولي لجوهر الموضوع في معالجة وضع العراق تقول بأن من مصلحته جميعا إعادة الأمن والنظام إلى العراق بوسائل جديدة لإقامة توازن استراتيجي من نوع جديد.

ان الاعتماد على حكومة هشة وانقسامية وطائفية تمثّل تكتلات وأحزابا متصارعة ولا يجمعها منهج وطني واحد ولا اي نسيج اجتماعي موّحد.. فان ذلك لا يخدم المصالح الدولية ولا الاقليمية ولا العراقية ذاتها ابدا .

وعلى البيت الأبيض ان يدرك ان (ديمقراطية) فاشلة من هذا النوع لا يمكنها ان تكون بديلا عن (دكتاتورية) متوحشة من ذاك النوع.. وبأي حق يصارع أهل العراق الإرهاب لوحدهم؟ على الرئيس بوش ان يعلم ان (الديمقراطية) العراقية لا تبنى من خلال أحزاب طائفية ولا دينية ولا عبر توجهات شوفينية وانقسامية.. ان تغيير النهج لابد ان يسبق تبديل الوجوه ! فكم سيطول زمن ايصال هذه الرسالة منذ 2003 حتى الآن؟

www.sayyaraljamil.com

مؤرخ عراقي