لقد حققت البشرية تقدماً مذهلا على مختلف الصعد وخاصة العلمية والتقنية، إلا أن هذا التقدم لم يقابله تقدم مواز في التنمية الاجتماعية والثقافية والإنسانية، فمع تسارع التغيرات التي حدثت في العالم، وفي سياق التحولات التي فرضتها العولمة ظهرت طروحات جديدة في قضايا التنمية ومفاهيمها المركبة وعوامل قيامها ونجاحها، واستثار التعثر الذي طال خطط التنمية وبرامجها اهتمام المفكرين والباحثين، وشهد الفكر التنموي طفرة واسعة، وتنامت أدبيات التنمية كما زادت درجة التركيز على قضية التنمية البشرية أكثر من ذي قبل.

لقد بات ينظر للبعد الإنساني في عملية التنمية باعتباره العنصر أو البعد الأكثر أهمية في نجاح أو تعثر التنمية بعامة، وارتبطت قضايا تمكين الشعوب من تعظيم خياراتها الاقتصادية والسياسية والتعليمية، وتمتعها بحقوقها الإنسانية، بقضية التنمية البشرية ومستويات تحققها في مجتمع ما، ومع العولمة كذلك وهيمنة القطب الواحد وما نتج عنها من اختلالات في منظومة العلاقات الدولية بين الدول والشعوب نشأت ظاهرة ما يسمى بالإرهاب الدولي.

ونشأت عنها وبسببها حروب وصراعات مسلحة جديدة على المستوى العالمي، وعلى أثرها شهدت خطط التنمية تراجعاً وتعثراً في غير مجال. التفت المفكرون التنمويون إلى ظاهرة التلازم بين قضية الأمن والتنمية، فتوسعت البحوث في هذا المجال واتسع معها نطاق المفاهيم المرتبطة بهذه القضية.

لقد تبين بأن المجتمعات الإنسانية، وهي في سياق سعيها لتحقيق التنمية والتطور، واجهتها تحديات كثيرة عطلت جهودها وأجهضت مشروعاتها، و كان غياب الأمن والتحدي المشترك في معظم التجارب الفاشلة أو المتعثرة، ومن هنا بات ينظر إلى مسألة تحقيق الأمن الشامل (بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والنفسية ) على اعتباره شرطاً أساسياً للتنمية، وبنفس المعيار أخذ ينظر لغياب الأمن بأنه بالضرورة يؤدي - إن لم يكن سببا- إلى تراجع التنمية وتعثرها.

إن العلاقة بين التنمية والأمن تقوم على عدد من الافتراضات الأساسية منها: أن التنمية لا تتحقق إلا في إطار نمط إنتاج اجتماعي معين يوفر الطمأنينة والأمان لجميع الفاعلين، وهناك افتراض آخر مفاده أن تلازم التنمية والأمن ليس حصراً على مجتمع دون آخر بل هو ضرورة لجميع المجتمعات الإنسانية، فلا تنمية بلا أمن، ولا أمن بلا تنمية، وبذلك فإن توفير البيئة الأمينة التي تسمح بالنهوض الإنساني المتواصل ضرورة من ضرورات حدوث التنمية.

إن ثالوث الجهل والمرض والجوع يفتك بالمجتمعات البشرية ويشكل حلقة شيطانية لا بد من كسرها بالتعليم، وبالسياسات الصحية المتكاملة، واستراتيجيات الأمن الغذائي الناجعة، فالشعوب الجائعة لا يمكن الاعتماد عليها ومثل هذه المجتمعات تفتقد لحماية الخارج والداخل.

إن التنمية الحقيقية هي التي تتحول فيها الدولة من دولة أمنية إلى دولة أمينة، وأمتنا العربية اليوم في أمس الحاجة لأن تخلع الدولة الأمنية وإلى غير رجعة لصالح الدولة الأمينة، والتنمية الحقيقية هي التي تجعل الإنسان في قمة أولوياتها وهي التي يتحقق بها الأمن الحقيقي في المجالات كافة، فبالإنسان الناهض المتوازن يتحقق النمو والأمن والاستقرار وبدونه فلا تنمية ولا أمن، ولعل غياب البعد الإنساني في خطط التنمية حين لم تجعل الإنسان محورها وهدفها الأساسي هو التفسير الموضوعي لفشل هذه الخطط.

لقد كشفت نتائج الدراسات والبحوث والمبادرات عن جملة من التحديات التي تواجه التنمية جاء في مقدمتها التحدي المتمثل بغياب الأمن وانتشار العنف والإرهاب، لقد أفرزت العولمة العديد من الظواهر المتناقضة لعل من أكثرها تأثيراً في عمليات التنمية يتجلى في ظاهرتي التجميع والتفكيك، تتجلى ظاهرة التجميع في التكتلات الاقتصادية والسياسية الكبرى بين الدول والمجتمعات والشركات ومؤسسات المجتمع المدني.

فانحسرت أمامها المبادرات الصغيرة بل تلاشت، وأصاب أصحابها الكثير من الإحباط والتهميش والارتكاس في الفقر، أما ظاهرة التفكيك فتتجلى في الهجمة المبرمجة والمنظمة التي تستهدف تفكيك الدولة الوطنية وتفكيك مفهوم السيادة والحدود الوطنية، وبالتالي تهميش الثقافة الوطنية وتذويب الهوية والشخصية الحضارية لصالح ثقافة عولمية لا حدود لوطن فيها ولا سيادة لدولة، ولا معالم لهوية أو بشخصية حضارية.

لقد كان لهاتين الظاهرتين إرهاصاتهما على قضايا الأمن والتنمية، فمن حيث يدري الساعون لتعميم هذه الظواهر أو لا يدرون، فقد أدت هاتان الظاهرتان ( التفكيك والتجميع السلطوي والقهري) إلى نشوء حالة انبعاث عرقي وديني، وعودة إلى الأصل والهوية وخاصة الدينية منها.

ودخلت الشعوب المستهدفة في صراع لتأكيد الذات تحول في كثير من تداعياته إلى احتلالات، ونشأ عنها مشكلات جديدة تحمل عناوين قومية وطائفية، وإثنية ومذهبية وعرقية، كما تبددت الثروات والقدرات، وتفككت قدرات الشعوب على تعبئة الموارد، وتصاعدت أرقام البطالة وضاقت الفرص، واتسع الفقر، فكان العنف والإرهاب.

امتد العنف إلى المجال البيئي حيث الاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية، فتعولم التلوث، وتهدد الأمن الغذائي والمائي، وفتحت أبواب جديدة للكوارث البيئية المتمثلة بالتلوث وسباق التسلح وانتشار أسلحة الدمار الشامل، كما نشأت ظروف مواتية للصراعات المسلحة، فافتقدت الشعوب الأمن والاستقرار، وغابت التنمية، وتراجع الاهتمام بها، وربما تمثل حالات ( السودان، لبنان، العراق، فلسطين..) أمثلة صارخة على تلازم التنمية بالأمن.

ومع العنف انتشر التطرف وأصبح خطرا يهدد أمن المجتمعات، وانقسم المتطرفون إلى فئتين فئة عدوانية تؤمن بالتخريب وحمل السلاح ومجابهة المجتمع ومؤسساته، وأصبحت معاول هدم وتعطيل للتنمية والمجتمع ، وفئة انسحابية انكفأت على نفسها، وأصبحت عالة على المجتمع، وتقاعست عن المشاركة، فكان دورها السلبي الانسحابي معول هدم آخر حيث التعطيل والتأخير وإنهاك القدرات والموارد.

وفي غياب الأمن ازدهر التطرف والعنف وازدهرت معه الجريمة، لقد كشفت دراسات عديدة عن علاقة وثيقة بين الجريمة والتنمية، وكشفت عن تأثيراتها السلبية على التنمية البشرية بأبعادها التعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية.

خلاصة الأمر أن الوطن العربي يواجه جملة من التحديات الداخلية والخارجية، هناك احتلالات، هناك حروب، هناك إرهاب وتطرف، وهناك انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان، و هناك عقوبات وحصارات، حرمت الإنسان العربي من فرص العيش الطبيعي، وتسببت في استنزاف موارده ناهيك عن نهبها العلني والقسري.

فتعطلت منظومة حقوق الانسان بكاملها ودمرت مقومات استقراره ونمائه الإنساني، والأهم أنها عطلت التنمية المتوازنة وجعلتها في كثير من أقطار الأمة حلماً بعيد المنال، وجعلتنا أمام واقع مرير، يقتضي أن نتجاوزه بتطوير الثقافة والتعليم والعناية بهما و تعميق جذور الانتماء، وبناء علاقة تبادلية تفاعليه مع الآخر، علاقة صحية متوازنة تقود إلى القبول به والانفتاح عليه، وتحصن أجيالنا من خطر الذوبان والتلاشي، وبدون هذا الجهد الموضوعي المنسق ستبقى الصراعات مفتوحة وسيبقى التنافس العدمي يفتك فينا ويرسم لنا مقدراتنا ومستقبلنا.

أما على المستوى الوطني والمحلي فينبغي عند تخطيط التنمية أن نراعي ضرورات تحقيق الأمن الشامل، الأمن الذي يعزز التنمية ويطلقها نحو آفاق رحبة جديدة، إن وطننا العربي وأمتنا بحاجة إلى التنمية الآمنة والدولة الأمينة لا الدولة الأمنية.

إننا بحاجة ماسة لكي نتبادل الخبرات والدراسات وقواعد المعلومات، كما أننا بحاجة إلى قيام تنسيق كامل بين مؤسساتنا العلمية والتنموية، وإلى استلهام ثقافتنا في انطلاقتنا نحو تأمين شعوبنا وأقطارنا وتنميتها وفق قواعد التنمية الشاملة القائمة على: العدل، والسلم، والعلم، والعمل، وفق إرادة الحق تعالى (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

سياسي وبرلماني سابق وخبير قانوني أردني