الكلام ـ الإعلان الذي صدر أمس عن الرئيسين جلال طالباني ونوري المالكي؛ والإطار الذي جاء ضمنه، يؤشران إلى تطور إيجابي جديد قيد التبلور؛ في الساحة العراقية.

على الأقل لأن ذلك غير مسبوق، ولأن مفرداته، في الشكل والمضمون، تعكس بوادر صحوة مرشحة ـ أو هكذا توحي ـ لإطلاق مسيرة المصالحة الوطنية الشاملة؛ التي تمثل مفتاح الخلاص والتي طال انتظارها، فعندما يقول الرئيس العراقي، جلال طالباني، خلال مؤتمر صحافي وبحضور عضوي مجلس الرئاسة ورئيس الحكومة مع رئيس إقليم كردستان إنه «حصل التوصل إلى اتفاق» وصفه بأنه «يعالج الأزمة السياسية في البلاد.

ويحدد ثوابت العمل للمستقبل»؛ عند ذاك لا يعود من قبيل التفاؤل المفرط، الاعتقاد بأن ثمة جديداً قد طرأ على المشهد العراقي خاصة عندما يفصح الرئيس عن حصول «توقيع على وثيقة تتضمن رؤية سياسية مشتركة لمعظم القضايا العالقة»، ويأخذ هذا الإفصاح أهمية إضافية عندما يعلن رئيس الحكومة أن الحزب الإسلامي ـ أكبر الأحزاب السنية ـ وافق على الانضمام إلى التحالف الرباعي الشيعي الكردي، ويزيد من الأهمية تأكيده أن «بياناً مشتركاً ستصدره الأحزاب الأربعة مع الحزب الإسلامي» بعد انضمامه إلى التجمع، «سيشمل تلخيصاً لكل نقاط الاتفاق».

موضوع الانضمام بقي على قدر من الضبابية، مسؤول في الحزب الإسلامي نفى حصوله، لكنه سارع إلى الاستدراك قائلاً إن حزبه «بارك تشكيل هذا التحالف» ولو أنه يرى من غير المناسب الانضمام إليه». النفي ليس قاطعاً. إذاً الباب مفتوح والاحتمال وارد لإقامة تركيبة تضم كافة مكونات الساحة العراقية. هذا إذا أخذنا الكلام على ظاهره.

المحك الآن هو في تطويره إلى نقلة نوعية، على أرض الواقع، حينذاك فقط تكون اللبنة الأولى قد وضعت لبناء الوحدة الوطنية، الكفيلة ـ ولا شيء غيرها ـ بإخراج العراق من محنته.

ومع أن الخلفية والسوابق وتعقيدات الوضع العراقي المعروفة، تفرض التحفظ الشديد في التفاؤل وفي قراءة هذا التطور؛ إلا أنه في التوقيت وفي ظروف اللحظة العراقية الراهنة؛ ما يبرر التوقف عنده والنظر إليه بعين مختلفة، فالجدل الأميركي المحتدم حول موضوع الانسحاب وجدولته والضغوطات الكبيرة في هذا الاتجاه؛ ربما تكون قد لعبت دوراً في حفز القوى العراقية على إعادة حساباتها ومراجعة أولوياتها واصطفافاتها؛ استعداداً لمرحلة قادمة مختلفة؛ لم تعد بعيدة. أو ربما يكون هذا التقارب على رخاوته وسرعة عطبه، قد جاء وليد بداية صحوة قبل فوات الأوان.

في كل حال، لقد وضعت هذه القوى، الكرة في ملعبها. قامت بما يبدو وكأنه تأسيس للخطوة الأولى في مسيرة المصالحة الوطنية المطلوبة. ولا عذر لها على التراجع فهي الآن أمام الامتحان الذي مهما بدا صعباً فإنه يبقى بالغ السهولة إذا ما قورن بالويلات التي يعاني منها العراق والتي تهدد وجوده في الصميم.