بالفعل والقول معاً، لم يكن ينقص مشهد عودة الدب الروسي الأبيض إلى الارتقاء مجدداً وتصدر مكانته الطبيعية على الخارطة الجيوسياسية الكونية سوى الإعلان عن العثور على رفات نجلي القيصر الروسي نيقولاي الثاني، الذي تم إعدامه مع أشقائه ووالديه في جبال الأورال في 17 يوليو 1918، وهما ألكسندر ولي العهد وشقيقته ماريا، آخر سلالة العائلة الإمبراطورية الروسية اللذان يتم العثور على رفاتهما بعد مرور 89 عاماً من عمليات الحفر والتنقيب المضنية.

بغض النظر عما إذا كان تم العثور على الرفات في وقت سابق ما وأن هناك جهات روسية فضلت انتظار مجيء اللحظة المناسبة ليصار إلى هذا الإعلان التاريخي، إلا أن رائحة الرمزية المنبعثة منه تزكم الأنوف وطبول عودة الإمبراطورية المظفرة تصم الآذان ومشاهد التحركات الروسية في هذا الاتجاه وعلى جميع الصعد تبهر العيون.

لكن ما كان لهذا المشهد الدرامي أن يكتمل أيضاً بعيداً عن ظهور أنباء تتحدث عن تجدد الاشتباكات في العاصمة الشيشانية غروزني وعن مقتل ضابط في الجيش الروسي هناك، فعلى الرغم من مشروعية القضية الشيشانية، إلا ما يجري من أحداث هناك في الوقت الحالي والتي يتوقع أن تشهد موجات متتالية من التصعيد يذكرنا بالمشهد الأفغاني عشية انهيار الاتحاد السوفييتي، حين جندت الجيوش وحشدت القوى وسلحت المرتزقة مشكلة جيشاً جراراً واحداً موحداً تحت راية و«السي آي إيه» بهدف دحر ألد أعداء الولايات المتحدة آنذاك.

ما أشبه البارحة باليوم، فبعد أن طل العملاق الروسي برأسه من جديد، راحت تنسج تحالفات جديدة وتنشأ قوى سياسية ظلامية جديدة لطالما اعتمد عليها الغرب للتخديم على مصالحه في غير مكان من العالم، وقد يبدو من الغرابة بمكان مطالبة شعب مثل الشعب الشيشاني الهبوط بقضيته الوطنية إلى الصف الثاني من سلم أولوياته الوطنية، لكن أولوية أخرى ربما كانت أكثر دقة وأهمية يجب أن تتصدر، في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الإنسانية، جميع الأجندات الوطنية والقومية والعالمية وعنوانها ضرورة وضع حد لمرحلة التفرد الأميركي والقطب الواحد وعدم عرقلة ظهور أو عودة ظهور قطب آخر العالم في أمس الحاجة إليه ليتمكن من استرجاع توازنه.

إن لم يكن مبدأ التعددية القطبية يمثل الضمانة الحقيقة لوقف مسلسل الفواجع الذي يعصف بالكرة الأرضية منذ انهيار النظام العالمي القائم على قطبين أو أكثر، فإنه قادر بكل تأكيد على الحد من معاناة الناس وحقن دماء آلاف الأشخاص حول العالم، تلك الدماء النازفة بلا هوادة جراء أكثر من حرب داخلية وخارجية على حد سواء ولا أفق لحلها في المدى المنظور وجميعها إما أشعلتها الولايات المتحدة إما بصورة مباشرة وإما لها بصمة فيها على أقل تقدير.

العالم يمر في اللحظة الراهنة بمرحلة مخاض جديدة من المأمول أن تتمخض عن كيان أو كيانات متعددة الأقطاب تعكس حقاً خارطة المصالح المتنوعة لسائر الشعوب على امتداد الكرة الأرضية. وربما يأخذ ذلك الكيان أو الكيانات طابعاً اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً أو حتى ثقافياً أو كل ذلك مجتمعاً في آن. لكن المؤكد في جميع الحالات هو تمتعها بصفة التنوع والتعدد والاختلاف، وهذه صفات غنية وتعكس طبيعة الأشياء والفطرة السليمة.

ومن المأمول أيضاً ألا تعود قوى وأحزاب وحركات سياسية أو حتى أنظمة منتشرة في كافة أنحاء العالم عموماً وفي العالمين العربي والإسلامي على وجه الخصوص ـ من المأمول ألا تعود وترتكب الخطأ القاتل القديم حين عقدت تحالفات حتى مع الشيطان لمواجهة وهم خطر التمدد الشيوعي.

فتلك كانت خدمة جليلة قدمت للمشروع الامبريالي الأميركي على طبق من ذهب وسمحت بفرض الولايات المتحدة هيمنتها على العالم أجمع كقوة وحيدة لا منافس لها، مع كل ما يعنيه ذلك من غطرسة وتفرد وتحكم بمقدرات الإنسانية جمعاء، والكثير الكثير من المعاناة الناجمة عن مغامرات سيد البيت الأبيض الحربية والتي تدفع ثمنها الشعوب الضعيفة في غير مكان من العالم، في فلسطين والعراق وأفغانستان ولبنان والحبل على الجرار إن لم يشهد العالم تعديلاً لميزان القوى القائم حالياً على أحادية القطبية.

تقضي مصالح الشعوب التفكير ملياً بخارطة التحالفات على جميع الصعد المحلية والإقليمية والدولية، إذ أنها إذا ما أحسن نسجها وتوظيفها في الاتجاهات الصحيحة، فإنها تمثل من دون أدنى شك الرافعة الحقيقية القادرة على رفع اليد الغليظة للعم سام التي تحط عنوة على كاهل تلك الشعوب، التي تئن وتعن من وطأتها وتدفع ثمناً باهظاً لها قوامه حاضر ومستقبل أجيالها.

basil@albayan.ae