ثمة عديد من البديهيات مازالت تعشعش في الخطابات السياسية العربية، ولاسيما خطابات التيارات القومية، من دون أن يكلّف أصحاب هذه الخطابات أنفسهم عناء تفحص هذه الخطابات والتحقق من مقولاتها أو من معطياتها أو من إمكان تجسيدها على أرض الواقع.

معلوم أن الخطاب القومي العربي تأسّس على اعتبار الفكرة القومية العربية، بمثابة فكرة ناجزة، وتستحق التحقيق، بدعوى أن الأمة العربية مشروعا قائما، وأنها فقط تفتقر إلى التجسّد في دولة، بحكم عوامل التوحّد في اللغة والتاريخ والجغرافيا والمصير. وهذا الخطاب غالبا ما يحيل عدم تحقق ذلك إلى القوى الخارجية فقط (الاستعمارية والامبريالية).

لكن التمعّن في هذا الموضوع، في مساره التاريخي وعلى أرض الواقع، يبيّن أن الفكرة القومية العربية لم تكن نتاج حالة وعي أو حالة نهوض جماهيرية، ولا نتاج حالة سياسية حزبية عربية، بقدر ما كان نتاجا لثورة 23 يوليو في مصر (1952)، بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

في مسارها التاريخي، مثلا، فإن الفكرة القومية العربية ازدهرت في عقدي الخمسينات والستينات، وبدأت بالضمور في عقد السبعينات والثمانينات، ثم انحسرت في عقد التسعينات. هكذا فإن هذه الفكرة تدين بصعودها إلى زعامة مصر للعالم العربي، في حينه، بحيث اضطلعت مصر بدور الدولة ،المركز، في ظل قيادة الرئيس جمال عبد الناصر بشخصيته القيادية التاريخية والكاريزمية.

ومن حيث الواقع، وعلى خلاف الشائع، فإن هذه الفكرة لم تعم بلدان الوطن العربي بكامله، وإنما هي انحصرت في منطقة تشمل مصر وبلدان المشرق والخليج العربيين، بمعنى أنها لم تشمل تماما البلدان العربية في شمالي أفريقيا والسودان.

ومن جهة التجربة الحزبية/السياسية العربية، فإن هذه الفكرة لم تجد تمثّلا لها إلا في تجربة أحزاب قليلة فقط، ضمنها حركة القوميين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وبعض الأحزاب الناصرية.

بالنسبة لحركة القوميين العرب فقد امتد تواجدها من بلاد الشام إلى بعض بلدان الجزيرة العربية، فقط، وهي ظلت محصورة في إطار الفئات الوسطى، ولم تحظ على شعبية جماهيرية.

أما بالنسبة لحزب البعث فقد شكل ثقلا سياسيا حزبيا في سوريا والعراق، فقط، وشملت شعبيته على الفئات الريفية (الفلاحية والعسكرية)، ولكنه لم ينجح في نيل شعبية في بلدان أخرى، كما أن هذا الحزب اخفق في ترجمة خياراته القومية، حتى بالنسبة لتوحيد قطري سورية والعراق. وبالنسبة للحركات أو الأحزاب الناصرية، فهي ظلت مجرد أحزاب متناثرة وغير موحدة، وليس لها نظرية واضحة ومحددة، بخاصة أنها افتقدت لجاذبيتها بعد رحيل ملهمها (جمال عبد الناصر).

من ذلك فإن الفكرة القومية العربية تدين بحضورها في السياسة العربية إلى الرئيس جمال عبد الناصر، وإلى ثورة يوليو في مصر (كما قدمنا)، أكثر من أي شيء آخر، من دون أن نقلّل من أهمية التداعيات التي ولّدتها في المحيط العربي، ولا من قيمة الفكرة القومية العربية، بحد ذاتها، لجهة عدالتها وشرعيتها في الواقع العربي.

وقد لاقت الفكرة القومية العربية هزيمتها في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي، ليس فقط بترسّخ الدولة الوطنية /القطرية، وإنما بصعود الهويات الوطنية، وترسخ المصالح القطرية.

فمن الناحية السياسية، مثلا، بات المشروع الوحدوي العربي أصعب منالا، بما لا يقاس، إذ تحولت اتفاقيات سايكس ـ بيكو من مجرد تجزئة على الورق (في مطلع القرن العشرين)، إلى حدود وحواجز ومتاريس على الأرض (منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن)، تفصل بين مواطني البلدان العربية من النواحي السياسية، وأيضا من النواحي الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وفي مجالات الهوية، وحتى أن الحلم بمجرد إيجاد نظام تعليم مشترك أو قيام سوق عربية مشتركة يكاد يكون ترفا يفوق الاحتمال.

وفي كل ذلك فإن الدولة القطرية باتت واقعا لا يمكن نفيه أو تجاهله، وإنما باتت واقعا ينبغي البناء عليه، في أية مشاريع مستقبلية، وضمنها مشاريع التكامل العربي، أو الوحدة الاقتصادية العربية، وصولا للوحدة العربية الناجزة.

أما من الناحية الاجتماعية، فإن المشروع القومي العربي، لاقى إخفاقا لا يقل عن إخفاقه على المستوى السياسي، إذ أن الفكرة القومية ليس فقط لم تتحقق على المستوى العربي، وإنما أيضا مشاريع الاندماج المجتمعي على المستوى الوطني، تواجه صعوبات جمة، في ظل الانقسامات والتباينات الموجودة في البني المجتمعية العربية، على خلفيات طائفية ومذهبية واثنية، وهو ما نشهده في عديد من البلدان العربية، ولاسيما في لبنان والعراق والسودان. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت المجتمعات العربية لم تصل إلى حد الاندماج الوطني فكيف لها أن تحقق توحدها، أو اندماجها، على المستوى القومي؟

من الناحية الاقتصادية فإن الوضع ليس أفضل حالا من سابقيه، إذ أن التفاوتات الاقتصادية بين البلدان العربية يزداد اتساعا، بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وبين الدول الكثيرة السكان والقليلة السكان. وحال العلاقات الاقتصادية بين البلدان العربية لا تؤشر إلى إمكانات تفعيل مسارات التكامل والتوحد. فالتبادل الاقتصادي العربي مازال متدنيا، وهو لا يتعدى حدود 11 بالمئة من حجم التجارة الخارجية العربية.

ونسبة الاستثمارات العربية في البلدان العربية قليلة جدا، وهي لا تتعدى مليارات قليلة من الدولارات في حين أن حوالي 1500 مليار دولار من الأموال العربية تستثمر في الخارج. أما المشاريع الاقتصادية المشتركة بين البلدان العربية، في مجال الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات فهي لا تمثل شيئا يذكر في الحياة الاقتصادية، في حين أن المشاريع الاضطرارية المتعلقة بالبنى التحتية المشتركة، بين البلدان المتجاورة، هي فقط التي تلقى بعض الاهتمام من الحكومات المعنية.

هكذا فإن المقدمات السابقة (من دون أن نذكر الخلافات البينية العربية) هي التي تفسر أفول فكرة القومية العربية، التي تراجعت في الخطابات وفي الممارسات السياسية العربية، على مستوى الحكومات والتيارات والمجتمعات، في عموم المنطقة العربية، لصالح تسيد النظام القطري، والمصالح المجتمعية القطرية.

على ذلك فإن التفكير السياسي العربي، طوال القرن الماضي، غالبا ما استغرق في الشعارات السياسية الإنشائية والعاطفية، وضمنها الخطابات القوموية، دون أن يدرس مدى تمثلها في الواقع على مستوى الأنظمة والأحزاب والمجتمعات، بل إنه في أحيان كثيرة، وبثوريته أو طهريته الظاهرة، كان فكرا سياسيا مراوغا ومتواطئا، إن بتبريره للواقع أو بتجاهله له، أو بتفسيره لإخفاقاته وعجزه بعقلية المؤامرة (فقط)، حيث بالمبالغة بدور العامل الخارجي.

والثابت أن معظم هذه الخطابات لم تفد في فهم الواقع المتردي، بقدر ما أشاعت قدرا عاليا من الإحباط والانفصام في الوعي العربي، فضلا عن أنها لم تفلح في إدراك أسباب استمرار البني والعلاقات والمفاهيم التي تنتج هذا الواقع وذاك التردي؛ دون إغفال دور العامل الخارجي وتحديد مكانته في هذا الموضوع.

المعنى من ذلك أن التفكير السياسي العربي، وضمنه التفكير القومي، بحاجة إلى تجديد خطاباته للانتقال من حيز الدعوة والتمني إلى حيز الممارسة السياسية، ومن حيز المبالغة بدور العامل الخارجي إلى حيز التفكير بدور العامل الداخلي في المسؤولية عن تفتّت أوضاعنا: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن حيز التعويل على الحتميات والتوهمات إلى حيز البحث في تعميق المصالح المشتركة، في التعليم والبني التحتية والتجارة والاقتصاد، حتى ولو كان الأمر يتعلق بالأمة العربية.

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.org