يساور الكثير من اللبنانيين شعور من الغيرة والحسد والإعجاب أيضاً من تلك الدول والحكومات التي تمارس سيادتها بحزم على أراضيها من دون تدخل سفراء وقناصل الدول الصديقة والبعيدة الذين يأتون إلى بلاد الأرز ضيوفاً موظفين لتمثيل بلدانهم فيصبحون بعد فترة وجيزة الحكام من خلف الستار، وأصحاب القرار لمصير هذا البلد وهم أصحاب العقد والحل فيه.

أنا لا أشك اطلاقاً بأن كل لبناني سمع منذ أيام قليلة بخبر طرد الخرطوم لدبلوماسيين أجنبيين كانا على اتصال مع معارضين إلا وراوده شعور الغيرة والإعجاب في آن معاً بالحكومة السودانية وتمنى أن تحذو حكومته هذا الطريق وتضع مرة واحدة حداً لتدخل السفراء والقناصل السافر في شؤونه الداخلية والمصيرية بشكل حاسم ونهائي.

وأنا كفيل بأن نصف مشاكل اللبنانيين ستنتهي وسينتهي معها معاناة الناس المعذبين والقلقين ويبدأ الاستقرار النفسي والمعنوي يدق أبوابهم فتعود معها الفرحة لهذا البلد الحزين الذي عصفت به الأنواء وتكالبت عليه الأمم من كل حدب وصوب، فسلبت منه حيويته، وزرعت الكراهية في القلوب التي لا تعرف الحقد أساسا، والمعتادة على توزيع البسمة التي تقطفها من مساكب الفرح المنتشرة في ربوعه.

يبرر اللبنانيون لثقافة تدخل السفراء في حياتهم الخاصة والعامة، وللأسف ان هنالك مثقفين وكتاباً ينبرون لهذه المهمة، فيجدون لها الأسباب الموجبة بأن لبنان ملتقى الحضارات، وثقافته المتسامحة تفتح المجال للضيوف والزوار ان يمارسوا هواية التلصص على حياتهم وعلى نظامهم السياسي.

وهنالك من التيارات السياسية التي وجدت تفسيراً ايديولوجياً لهذا التدخل، بأن لبنان بلد ضعيف ومن المنطقي أن يفتش عن صديق قوي يسانده، ولذلك ظهرت في مطلع القرن الماضي نظرية عند البعض من اللبنانيين ان باريس مربط خيلنا» وبناء على هذه القاعدة فقد أصبح مسموحاً للقنصل الفرنسي ان يمارس هيمنته على البلد وأن يعطي أوامره فتصبح أمراً مطاعاً، وبات واجباً وجوياً على كل لبناني ان يتعلم الفرنسية وأن يتخلق بأخلاق الفرنسيين، واذا زاح عن القاعدة فهو رجل مشكوك بلبنانيته، لأن اللبنانية إزاء ذلك هي اخت للفرنسية التي تؤمن التميز والفرادة.

معظم أقطار ودول العالم مؤلفة مجتمعاتها من طوائف وقوميات واتنيات متعددة منذ فجر التاريخ تنضوي جميعها تحت نظام حكم واحد موحد تحتكم فيه للقانون والدستور، إلا في لبنان البلد الصغير المؤلف من ثماني عشرة طائفة، كل طائفة فيه تحاول بناء كيان خاص ينافس كيان الوطن، التي تدخل فيه بلغة مختلطة الأحاجي والمصطلحات والتلاعب على الكلمات، فتعلن ولاءها للوطن والدستور وأنها ترضى بالاحتكام للديمقراطية التوافقية، ثم تذهب لتفتش عن دولة أو سفارة دولة تستقوي فيها على الطوائف الأخرى لتأمين امتيازات تحصن مواقعها على حساب اخوتها وشركائها في الوطن.

ولهذا فقد أصبح للطوائف الثماني عشرة المؤلفة لكيان البلد ثماني عشرة دولة على أرض لبنان، ولهذا ليس مستغرباً تدخل السفراء الأجانب في الشؤون اللبنانية دون حسيب أو رقيب لأن عدم تدخلهم هو الاستثناء وهو الغريب، والسفير لهذه الطائفة أو تلك يصبح كالقضاء والقدر، ودولته تصبح من المقدسات المفروضة على رقاب الآخرين ومهمة أكثر من الحكومة المحلية شاء من شاء وأبى من أبى.

من أجل ذلك نجد أن زعيماً كبيراً لا ينافسه احد في الدفاع عن السيادة والحرية يتباهى برفع علم دولة أجنبية يستظل بحمايتها فوق منزله، ويقيم لسفير هذه الدولة التي رفع علمها حفلاً جماهيرياً وخاطبه بلغة بلاده وليس بالعربية ولا باللهجة اللبنانية احتراماً وتقديراً فيما الجماهير المتجمهرة الغلبانة وهي من الأرياف والقرى البعيدة والقريبة لا تفهم ولا تفقه من زعيمها «المترغل» بأجنبيته شيئاً ولكنها كانت تصفق له بحماس هستيري وتقيم الاهازيج لهذا الزعيم الذي بايعته (عالعمياني) كما يقال بالعامية، كما خاض حرباً شرسة ضد المقاومة باعتبارها حالة طائفية وليست حقاً وطنياً.

الملفت ان هذا الزعيم السيادي المفوه هو نفسه كان قد أقام حفلاً جماهيرياً رسمياً منذ سنوات قليلة للدولة التي انقلب عليها بنفس المكان وبذات الأهازيج الصاخبة حيث بايع قائدها إلى الأبد وقدم نفسه يومها بأن يكون حارسها الأمين على تلك الثغور إذا تعرضت للأذى!

من علامات التعجب المثيرة للانتباه في التاريخ السياسي للمنطقة ان هذه الدول التي تكثر فيها مراكز الأبحاث لا تقرأ جيداً في سيرة هذه النماذج من الزعماء المتقلبين لكي تأخذ العبرة منها، فهي تصر على أن تكون الضحية، والطرف المخدوع، لأن هذا القائد الذي يبايعها اليوم قد ينقلب عليها غداً ليبايع سواها دولة أقوى، ومن علامات التعجب أيضاً ان هذه الدولة الأجنبية صاحبة السطوة والنفوذ على العالم كالولايات المتحدة يفيدها الترويج لمثل هذه الثقافة المدمرة لها وللعالم، وتقديم الفرص لمثل هذه الديكتاتوريات الكرتونية التي أكل عليها الدهر وشرب.