في ظل هذا الهجوم السياسي الأميركي ـ الإسرائيلي المكثف على الملف الفلسطيني تحت شعارات المفاوضات والتسوية و«اتفاق المبادئ» الاولمرتي، يكاد المرء الذي يتابع كل ذلك أن يصدق فعلا أننا أمام نقلة نوعية في الأجندات والنوايا والخطط ويكاد المرء الذي يتابع التصريحات والمقترحات الأميركية ـ الإسرائيلية المتلاحقة حول عملية السلام وحول فتح «أفق سياسي» جديد للسلام على أساس المبادرة العربية أو على أساس مقترحات بيريز الأخيرة أو ربما على أساس «وثيقة جنيف» أن يصدق أن الأمور تجري في هذا الاتجاه.

وأننا بصدد «أفق سياسي» حقيقي وبصدد تسوية بين الأيدي، نقول يكاد المرء يعتقد أن أبواب الجنة قد فتحت فجأة أمام هبوط حل مفاجئ سحري للقضية الفلسطينية، المنتهكة حقوقها وحقوق شعبها منذ ما يقارب الستين عاماً، فهل الأمور والأوضاع تسير فعلا في هذا الاتجاه، أو تبشر بـ «أفق سياسي» حقيقي وجاد للحل، أم أن وراء «الأفق السياسي» ما وراءه من أجندة أخرى تمتطي القضية الفلسطينية...؟!

كشفت المصادر الإعلامية الإسرائيلية النقاب عن حقيقة ما يدور وراء الأكمة في قصة المفاوضات والتسوية فقالت على سبيل المثال: « إن نقطة الانطلاق في المفاوضات حول الحدود مع الدولة الفلسطينية هي حدود جدار العزل، وان «اتفاق المبادئ» الاولمرتي ـ الذي اقترحه ويريده اولمرت ـ يعتمد على صيغ تعميمية مبهمة.

وان القدس ستعتبر مدينة أديان وليست مدينة محتلة وكل ديانة تدير أوقافها، بينما تكون عودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية أو توطينهم في البلاد التي يتواجدون بها «عن صحيفة هآرتس العبرية» 2382007»، أما بالنسبة» للممر الآمن بين غزة والضفة فستستخدم إسرائيل «الممر الآمن» في حربها ضد حركة حماس لإضعافها في قطاع غزة».

ولعل الأهم من جملة هذه العناوين ما يتعلق بطبيعة الدولة الفلسطينية التي تجري المفاوضات حولها، فقالت هآرتس «أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سيقبل بفكرة إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة بعد التوصل إلى اتفاق مبادئ ولكن بشروط»، ما يستدعي هنا التوقف أمام سيناريو الدولة المؤقتة المقترحة بقوة (رغم النفي الفلسطيني على لسان عريقات) والتساؤل عن ماهيتها ومضامينها واحتمالاتها.

فالواضح مؤخراً إن «إسرائيل» أخذت تتحرك لإطلاق مشروع الدولة الفلسطينية المؤقتة كبديل مرحلي عن التسوية الدائمة، إذ كشفت الصحف العبرية تباعا النقاب عن «أن التحركات الدبلوماسية الإسرائيلية وما واكبها من تحركات أميركية مماثلة تهدف كلها إلى دفع فكرة «الدولة الفلسطينية المؤقتة» كحل مؤقت للصراع القائم حاليا بين الفلسطينيين والإسرائيليين».

وكما نقل الصحفي الإسرائيلي إرييه شافيط المعلق في صحيفة «هآرتس» فإن واشنطن وتل أبيب تقومان بعمليات جس نبض واسعة لمعرفة ردود الفعل الفلسطينية والعربية حيال فكرة «الدولة المؤقتة» كحل مؤقت للصراع «إلى أن تتهيأ الظروف التي تسمح بالتوصل لحل دائم للمسائل الكبيرة التي تشكل القضية الفلسطينية، مثل القدس واللاجئين والمستوطنات وغيرها»، وفي سياق تسويق عملية السلام بتفريخاتها التطبيعية في المنطقة، تبنت الإدارة الأميركية ما أطلق عليه « سياسة المساحيق التجميلية للمشروع» وانضمت إلى «إسرائيل» لترويج وتسويق مشروع «الدولة المؤقتة»...!

وفي هذا الصدد كان المحلل الإسرائيلي المعروف «اليكس فيشمان» قد كتب في يديعوت احرونوت (2006/12/25) مبكراً قائلاً: «بنظر الأميركيين فإن بوادر حسن النوايا الصغيرة التي عرضها اولمرت ليست سوى الخطوة الأولى على طريق تنفيذ مخططهم الجديد في الشرق الأوسط الذي يكشف النقاب عنه هنا للمرة الأولى وهدفه النهائي إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة خلال عامين من تاريخه.

وذلك قبل نهاية المرحلة الانتخابية للرئيس الأميركي جورج بوش»، ثم تبعته صحيفة معاريف كاشفة النقاب عن «أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تبادر إلى طرح خطة سلمية جديدة في الشرق الأوسط يتم بموجبها إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة على أن يشكل السياج الأمني الفاصل حدود هذه الدولة معاريف 11/01/2007».

كما جاء في هذا الصدد على سبيل المثال «أن الولايات المتحدة درست خطة تتضمن الإعلان عن دولة فلسطينية في حدود مؤقتة، حتى نهاية عام 2007»، وحسب تقرير أوردته أسبوعية بورفوارد الأميركية فإن «فكرة الإعلان عن دولة فلسطينية مؤقتة تعتمد على المرحلة الثانية من خطة خارطة الطريق ».

وقبل ذلك بدأت مصادر إسرائيلية الترويج للخطوة الأميركية الجديدة بشأن الدولة المؤقتة في محاولة لإيهام الرأي العام العربي والفلسطيني بجدية التحرك الأميركي باتجاه إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية، أما عن مضامين وحدود الدولة المؤقتة فحدث ولا حرج...!

ونتوقف هنا لنقول: إن خطة الدولة المؤقتة قديمة ـ متجددة تأتي تحت عناوين مختلفة: فقد أشارت مصادر صحفية عبرية مثلا إلى «أن قادة إسرائيل يدحرجون أفكارهم ـ مقترحاتهم ـ في كل مرة باسم جديد، مرة باسم «خطة الاستيطان المكثف في الضفة عام 1977»، ومرة أخرى تحت اسم مشروع الون عام 1988».

ومرة ثالثة باسم «خطة الجيوب 1994» ومرة رابعة بعنوان «تسوية مرحلية طويلة الأمد عام 1999»، ومرة خامسة باسم «دولة فلسطينية مؤقتة عام 2001»، ومرة سادسة بعنوان «خطوط الجدار عام 2003»، ومرة سابعة باسم «خطة الانفصال بغطاء أميركي »، ثم مرة ثامنة باسم «رؤية الرئيس بوش في الدولتين» ثم حديثا باسم «الدولة المؤقتة في حدود الجدار» .

وأكدت المصادر العبرية مثلا على «أن المشترك بين كافة الخطط والمشاريع هو السيطرة الإسرائيلية على المناطق الأمنية في غور الأردن وغربي شمالي الضفة، ومحاصرة وإغلاق الفلسطينيين في إطار معسكرات اعتقال في جيوب ـ كانتونات ـ على امتداد ظهر الجبل ـ أي ما بين جدار الفصل ونهر الأردن حسب خطة الجدار ـ المصدر نفسه.

ولكن... إضافة إلى ذلك، فإن هذه الخطة هي امتداد في الوقت ذاته وبالأساس إلى كافة الأفكار والمقترحات الإسرائيلية الليكودية والعمالية على حد سواء، التي تدحرجت تباعا على مدى السنوات والعقود الماضية تحت اسم «غزة أولا»، وحتى أن مصادر عبرية تشير إلى أن «غزة أولا» هو «مشروع بنيامين بن اليعازر وزير الحرب السابق في حكومة شارون الأولى، كان قد عرضه على الرئيس المصري حسني مبارك وحصل على موافقته عليه«صحيفة يديعوت احرنوت» 2002716».

أما بالنسبة للمضامين الحقيقية للدولة المقترحة، ف«الدولة المؤقتة» وفق الأدبيات الشارونية ـ الاولمرتية ـ الأميركية هي «الدولة المؤقتة طويلة الأمد» وهي «دولة شارون الفلسطينية»، وهي في الوقت «دولة مؤقتة في القطاع»، و«دولة على مساحة 42% من مساحة الضفة الغربية لاحقا»، ولكنها حسب «ميرون بنفنستي» في هآرتس «ستكون دولة مقطوعة الرأس والرجلين وبلا ارض، وخريطة الطريق وخطط الفصل انما تكرس الوضع الراهن».

وهي أيضا حسب «افي شلايم» استاذ العلاقات الدولية في جامعة اكسفورد ومؤلف كتاب «الجدار الحديدي: العرب وإسرائيل» عبارة عن «كيان فلسطيني عاجز ومنزوع السلاح يقام على اقل من نصف الضفة الغربية مع سيطرة «إسرائيلية» على الحدود والمجال الجوي والموارد المائية الفلسطينية، وهذه وصفة لـ «غيتو» فلسطيني وليس لدولة حرة».

والدولة الفلسطينية المعروضة حسب الأدبيات السياسية الإسرائيلية «ستكون منزوعة السلاح تسيطر «إسرائيل» على حدودها الخارجية وعلى أجوائها ـ يديعوت أحرنوت»، وهي تشكل من جهة ثانية ذروة التنازلات الإسرائيلية المؤلمة «وسقف التنازلات المؤلمة التي كان شارون قد عرضها وهي «الانسحاب من المدن الفلسطينية فقط كي يحكم الفلسطينيون أنفسهم بأنفسهم».

ليتبين لنا في الخلاصة المكثفة المفيدة في هذا السياق إننا أمام هجوم أميركي ـ إسرائيلي متجدد يستحضر لنا المشاريع والأفكار القديمة البالية التي فشلت تماما في المراحل السابقة ويسعى إلى إعادة إنتاج وترويج مشروع «الدولة المؤقتة «كبديل عن التسوية الدائمة.

وذلك وفقا للحاجة الأميركية العاجلة إلى تهدئة الملفات والجبهات الأخرى إلى حد كبير بغية لملمة الأوراق والجهود الأميركية والإسرائيلية وغيرها في المنطقة لصالح التفرغ مرحليا لاحتواء الحالة العراقية الجهنمية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء الوجه ومن المشروع الأميركي في العراق والمنطقة.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com