يشعر اللبنانيُّون في بعض الأحيان، ولا سيما في هذه الفترة بالذات، أَن بعض السياسيين لا يحترمون عقولهم ويستخفُّون بذكائهم ويحاولون محو ذاكرتهم، ويصل الاستخفاف بالرأي العام الى درجة يعمدون فيها الى التفكير والتذكُّر عنهم، وكأن الناس لا يُفكِّرون.

هذه المقدِّمة ضرورية لأن البلد وصل الى وضعٍ أقلّ الكلام الذي يجب أن يُقال فيه هو الحقيقة والصراحة والإبتعاد عن قول ما يناسب وإخفاء ما لا يناسب. بعد شهر تماماً يحل موعد بدء المهلة الدستوريَّة لإنتخاب رئيس جديد للجمهوريَّة.

ما هي الحقائق التي تُقال? وما هي الإتهامات التي تُلقى? وكيف يستطيع الرأي العام أن يُميِّز بين الحقيقة والتُّهمة؟ - أولى الحقائق أن هناك إنتخابات رئاسية يجب أن تتم في أي تاريخ بين الرابع والعشرين من أيلول والرابع والعشرين من تشرين الثاني، أيُّ كلام خارج هذا السياق هو مجافٍ للحقيقة، لكنه إذا توقَّف عند هذا الحد يكون حقيقةً مجتزأة. - ثاني الحقائق أن على المجلس النيابي أن يجتمع وأيُّ تلكؤ في حضور النواب هو تلكؤ في حقِّ الوطن.

- ثالث الحقائق أن مَن ينتقدون (الفيتوات) الخارجية على بعض المرشَّحين يمارسون (الفيتو) الداخلي على بعض المرشَّحين، فعلى سبيل المثال يُعلن العماد عون ان لقاء معراب لا يحقّ له أن يُرشِّح، هذا خطأ، فشروط الترشيح يضعها الدستور والقوانين التي وحدها تسمح وتمنع وتُحدِّد مَن يحق له أو لا يحق له، ليترشَّح مَن تنطبق عليه شروط الترشيح ولينتخب مجلس النواب مَن يراه ملائماً، وتلك هي الديمقراطية الحقيقية.

أما أن يُعلن أحدهم إنه يُمثِّل الأكثرية، وتِبعاً لهذا التمثيل يحق له وحدَه أن يترشح واستطراداً أن يُصبح رئيساً للجمهورية، فهذا إلغاء للإنتخابات الرئاسية وعندها يُحدَّد شخص الرئيس عند إعلان نتائج الإنتخابات النيابية فأين المنطق في هذا الإجتهاد؟

لأنه لو جرى تعميم هذا الإجتهاد لكان رئيس مجلس النُّواب من حزب الله وليس من حركة (أمل)، ولكان الرئيس السنيورة أستُبعد من أن يكون رئيساً للحكومة لأنه لم يمر في الإمتحان الشعبي.

- رابع هذه الحقائق أن هناك اتهامات تُلقى من دون أن يُثبِت مطلقوها العناصر التي تُقدِّم صدقيتها، فتهمة عودة بعض الميليشيات الى التسلُّح لا تُقرَن عادةً بإثبات ووقائع، وعلى مطلقيها أن يكشفوا للرأي العام وللقضاء ما يملكونه، كما إن إلصاق تهمة التقسيم من دون شرح كيفيَّة التمهيد له وظروف تحقيقه، هو تصعيد للتوتر من دون تقدير حجم مخاطره.

هذه عيِّنة من الحقائق التي يُفتَرَض أن يكون الرأي العام على بيِّنة منها، ما يضع السياسيين والمرشحين أمام مسؤوليَّة التوقف عن إغراق الناس بـ(أَشباه الحقائق).