في عام 1998 تحدّث زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، في كتاب له حمل عنوان «رقعة الشطرنج الكبرى» عن ضرورة أن تعزز القوة الأميركية العظمى مواقعها في المناطق المتاخمة للحدود بين أوروبا وآسيا كي تمنع قيام قوة منافسة لها في القارتين.
ما قاله بريجنسكي عملت به إدارة جورج دبليو بوش اللاحقة وأرادت أن تجعل من أميركا «اللاعب» الأكبر، إن لم يكن الوحيد، في المنطقة المعنية. وجرى التركيز بشكل خاص على آسيا الوسطى الزاخرة بمصادر الطاقة وذات الموقع الإستراتيجي الهام بالقرب من إيران وأفغانستان، وخاصة من روسيا التي بدأت «تطل برأسها» على أنها القوة المنافسة التي «تخوّف» مستشار الأمن الأميركي الأسبق من قيامها، ولعل من المفيد هنا التذكير ببعض المحطات الرئيسية في مسيرة العلاقات الروسية ـ الأميركية.
انتهجت روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي سياسة «طأطأة» الرأس حيال أميركا. كانت منهكة اقتصاديا ومفككة الأواصر مع محيطها المباشر، باختصار كانت وريثة الطرف المهزوم في مواجهة القوة العظمى الأميركية العملاقة، المنتصر يفرض دائما شروطه وعلى المغلوب أن يقبل بها، على الأقل حتى يستعيد عافيته وتقوى شكيمته.
عندها قد يعود إلى «الميدان» من جديد. هكذا استمرّ التاريخ و«لم ينته». و«فترات» السلام كثيرا ما كانت مراحل لتحضير الحرب. للتذكير فقط عندما وقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى معاهدة فرساي عام 1919 في فرنسا أرادوها «مذلّة» للطرف الألماني المهزوم.
رضخت ألمانيا للشروط المفروضة لكنها بدأت بنفس اللحظة الاستعداد لجولة ثانية. ويتفق الجميع اليوم على أن «البذرة الأولى» للحرب العالمية الثانية كانت أرضها في فرساي. ان دروس التاريخ، القريب والبعيد، المماثلة التي حاول فيها مهزوم «الأمس» أن يرفع رأسه من جديد كثيرة أما النتائج فأمر آخر وقد تكون «كوارث»، والمثال الألماني ذاته يشهد على ذلك.
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي جهد بوريس يلتسين، وقدّم كل التنازلات دون قيد أو شرط، كي ينال صفة «التلميذ النجيب» من الغرب عامة ومن واشنطن خاصة. وكان «شهر عسل» أميركي ـ روسي بدت روسيا فيه وكأنها قد عادت إلى «بيت الطاعة» وإنها ستقدم كل ما يُطلب منها،بل وقبل أن يُطلب منها، وبدا فلاديمير بوتين، بعد يلتسين، إنه يتبع نفس النهج في خطواته الأولى.
لكن الأمر لم يكن كذلك تماما وإنما كان على خلفية إدراك أن السياسة هي قبل كل شيء نتاج موازين قوى. كانت روسيا ضعيفة وعندما تغيّر حالها، وعرفت ازدهارا اقتصاديا ملموسا من جديد، تغيّرت مواقف الرئيس الروسي نفسه. وبرز، تبعا لوتيرة تدريجية ومتصاعدة، طموح روسيا باستعادة موقعها كقوة كبرى لها وزنها على المسرح الدولي ولها كلمتها في قضايا العالم المصيرية.
وإذا كان الرئيس الروسي قد أعلن بقوة وقوفه إلى جانب الشعب الأميركي إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن وتأكيده على ضرورة مكافحة الإرهاب بشتى صوره وأشكاله فإنه لم يتردد في توجيه النقد المستمر لمحاولة واشنطن «الانفراد» في فرض هيمنتها على شؤون العالم.
ثم كان الإعلان عن المشروع الأميركي مؤخرا بإقامة «درع صاروخي» في أوروبا الوسطى ـ وتحديدا في بولندة وتشيكيا ـ ليغدو التوتر هو السمة السائدة في العلاقات الروسية الأميركية، إذ اعتبرت موسكو أن مثل هذا الإجراء العسكري يشكل تهديدا مباشرا لأمنها أكثر مما يشكل «عملا وقائيا» ضد الخطر الذي تمثله إيران، كما تقول واشنطن. واقترح بوتين على واشنطن، كي يظهر «حسن نواياه»، استخدام شبكات الرادار الروسية المنصوبة في اذربيجان.
بنفس الوقت لم يتردد الرئيس الروسي أن يؤكد أثناء مقابلة معه نشرتها صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية يوم 4 يوليو 2007 أنه «سيتعيّن على روسيا تحديد أهداف لها في أوروبا»، بل وتحدث في نفس السياق عن العودة إلى أجواء الفترة التي «كانت الصواريخ ـ السوفييتية ـ مصوّبة فيها على أهداف في أوروبا» أي إلى أجواء «الحرب الباردة» بكل وضوح.
وقبل أيام فقط، وفي 16 أغسطس الجاري، أعلن الجنرال الأميركي «هنري اوبرينغ»، مدير وكالة الدفاع الأميركي المضاد للصواريخ رفض الاقتراح الروسي الخاص باستخدام شبكات الرادار الروسية في اذربيجان بسبب «قربها» من إيران وبالتالي «عدم فعاليتها» حيالها، في اليوم التالي، أي في 17 أغسطس ـ الجاري، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن الطائرات الإستراتيجية الروسية قد استأنفت طيرانها و«أقلعت من المطارات التي كانت قد حطّت فيها لآخر مرة عام 1992». ثم أضاف: «إن طيارينا الذين ظلّوا لفترة طويلة جدا على الأرض سعداء ببداية حياة جديدة».
ألا يريد الرئيس الروسي أن يعلن، بنفس الوقت، أن روسيا هي أيضا سوف «تحلّق» من جديد عاليا وأنها «سعيدة» بذلك؟.صحيح أن فلاديمير بوتين ليس شاعرا، أو على الأقل ليس معروفا عنه ذلك،ولكنه قد يعرف كيف «يحلّق» في أجواء أخرى غير فضاءات الشعر.
ولا شك أنه يعرف كيف يكون لاعبا بارعا في دهاليز السياسة والإستراتيجيا. فإذا كانت أميركا قد حرصت على الظهور في موقع المنتصر الكبير في سباق الأسلحة الإستراتيجية، فإن بوتين يريد، حول هذه النقطة بالذات، أن يعيد بلاده كأحد المتسابقين إلى هذا الميدان الذي يُراد إخراجها منه، ولا تهم المراتب الآن.
ثم إن «الرمز» قوي من حيث اختيار موقع الإعلان عن استئناف نشاط «الطيران الإستراتيجي» الروسي. لقد نقلت قنوات التلفزة «المعبأة» تصريح الرئيس الروسي من «الاورال» حيث كانت تجري مناورات عسكرية مشتركة للدول الأعضاء في منظمة شنغهاي ـ أي روسيا والصين وقزخستان واوزبكستان وطجكستان وقرغيزستان ـ التي تأسست عام 2001 من أجل «مكافحة الإرهاب» الإقليمي.
لكنها تبدو اليوم وكأنها منظمة مناهضة لأميركا. ويزيد من هذا الإحساس دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد «بصفة مراقب» إلى العاصمة القرغيزية بيشكيك حيث كان يتواجد الرئيسان الروسي والصيني وبقية رؤساء منظمة شنغهاي.
الإدارة الأميركية وعلى لسان الناطق باسم وزارة خارجيتها، أبدت نوعا من «اللامبالاة» بالقرار الروسي الخاص باستئناف نشاط الطائرات الإستراتيجية. بل وليس «اللامبالاة» فقط وإنما أيضا مع شيء من «التهكّم» على «الطائرات العتيقة» التي يتم إخراجها من «النفتالين»، لكن الواقع شيء آخر فأميركا «مبالية» جدا بكل تحركات الدب الروسي.
لاسيما عندما تكون فيما تعتقد أنه «كرمها» بآسيا الوسطى وبالقرب من إيران وأفغانستان وليس بعيدا عن مصادر الطاقة في الخليج، وأميركا مبالية «أكثر» عندما يعلن الرئيس الصيني ل«صديقه» الرئيس الإيراني في قرغيزستان أنه «مستعد لتحسين التعاون مع إيران في جميع الميادين وعلى جميع المستويات»، أي دون استثناء «المستوى النووي».
وتزداد «المبالاة» عندما يعرب الرئيس الروسي عن تمنياته أن تصبح إيران دولة «كاملة العضوية» في منظمة شنغهاي. هذا قبل أن يضيف، وكأنه يقترب من طهران بمقدار ما يبتعد عن واشنطن، بأن «جميع محاولات الانفراد بحل المشاكل الدولية والإقليمية هي نوع من العبث».
ولا تستطيع أميركا إلا أن تكون «مبالية جدا» عندما نعرف أن طائرات «يو توـ 95» الاستراتيجية المعنيّة تحمل ثمانية صواريخ يزن كل منها 200 كيلوطن ويصل مداها الى 3000 كيلو متر.
روسيا والروس يريدون التخلص من عقدة «التبعية» حيال واشنطن كما برزت في عهد بوريس يلتسين. الشعوب لا تحب «التبعيات» حتى لو كانت للأقوياء. البريطانيون أسقطوا قبل أسابيع رئيس وزرائهم السابق وكانت وصمة «التبعية» لإدارة بوش في طليعة ما أعابوه عليه.
والروس يؤيدون رئيسهم عندما «يرفع رأسه» بوجه أميركا، للبرهان على أن روسيا ليست مجرد «قوة هامشية» لا حول لها ولا قوة ولا نفوذ في الشرق الأوسط أو إفريقيا أو حتى في «الجمهوريات السوفييتية السابقة» في آسيا الوسطى، كما يراد رسم صورتها في الرؤية الأميركية للعالم. لعلّنا على مشارف «حرب باردة» جديدة وإنّما «معدّلة» تماشيا مع روح العصر.
كاتب سوري