أخيراً وصل نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية إلى دمشق التي مكث فيها أكثر من ربع قرن كامل باسم حركي مستعار هرباً من بطش النظام السابق، رغم اعتراض الإدارة الأميركية على هذه الزيارة التي تعتبر الأولى من نوعها للرجل الذي يملك فيها ذكريات حميمة وصداقات كثيرة.
المالكي ليس المسؤول العراقي الأول الذي زار دمشق فقد سبقه إليها سلفه إياد علاوي من دون اعتراض من الحليف الأميركي والطالباني الذي ذهب إليها رئيساً تتملكه نوستا لجيا الوفاء لهذا البلد الذي آواه واحتضنه أوقات الشدة، حيث ذهب إلى منزله الذي يملكه في العاصمة السورية معلناً أنه ابن دمشق وليس زائراً رسمياً عابراً منذ أشهر قليلة.
كما أصرّ على زيارة ضريح الرئيس الراحل حافظ الأسد في القرداحة لقراءة الفاتحة، والاعتراف بفضل الرجل الذي حمى المعارضة العراقية ووقف إلى جانبها ووفر لها كل الدعم المطلوب، ولم يبخل عليها بشيء، ولهذا فإن زيارة المالكي تأتي في هذا السياق، وإن كان الظرف السياسي مختلفاً كلياً في دمشق وفي كل المنطقة.
يقول الشاعر العربي: عرف الحبيب مكانه فتدلل، ولهذا فإن نوري المالكي الذي يعرف مكانته عند الأميركيين العاجزين عن تغييره حاليا قد تغزلوا به كثيراً، وأمنوا له كل الدعم لنجاحه في الماضي لم يعد حبيبهم المفضل الذي لم يأبه لاعتراضات البيت الأبيض على زيارته لدمشق بل كان يعرف على ما يبدو في قرارة نفسه أن الرئيس بوش سيغير موقفه المتشدد من هذه الزيارة التي صوّب عليها بلهجة شديدة لقناعته بأن المالكي هو الرجل الأصلح للمرحلة.
والوقت يجري حالياً بسرعة ضد المصالح الأميركية ولا مجال في هذه الآونة للتغيير بالرغم من أنه ذهب إلى حد القول إن تغيير حكومة المالكي هي من صلاحية الشعب العراقي وكان بوش بذلك يرفع الغطاء السياسي عن هذه الحكومة، وبالمنطق السائد في العراق حالياً فإنه يدعو إلى قتلها أو في أسهل الأمور السماح بالانقلاب عليها من خصومها وأعدائها ضمن التحالف الواحد.
وبالمقابل فإن «انتفاضة» المالكي التي تأتي انسجاماً مع نظرية «الحبيب المدلل» لم يسكت طويلاً على مواقف بوش المستفزة حيث رد بلهجة عنيفة ومن دمشق بالذات لما يحمل المكان من رمزية ملفتة واعتبر أنه ليس أداة في يد أحد بل يفعل ما تمليه عليه إرادته وقناعته وللتذكير فقط فإن «انتفاضة المالكي» ضد الأميركيين ليست الأولى، فقد سبق أن رد الصاع صاعين للرئيس بوش منذ بضعة أشهر وبلهجة ساخرة ومتهكمة بأن الذي نجح بأصوات هزيلة لا يحق له توجيه النقد.. ولكن مصادر المالكي سارعت بعد فترة وجيزة إلى نفي هذا الكلام.
يبدو أن السيد المالكي هو كسائر العراقيين من ذوي الدم الحار الذي لا يتحمل الاستفزازات البليدة، ولا يستطيع تقبل الإملاءات الخارجية المجانية، لذلك فإن الرجل سمع منذ أسابيع قليلة اتهاماً من بعض مسؤولي الإدارة الأميركية بأنه رجل مصاب بجنون العظمة.
كذلك فإن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس كان واضحاً على الطريقة الأميركية عندما أبدى ملاحظات للمالكي ووجه اللوم القاسي إلى مجلس النواب العراقي الذي أصر على الذهاب في إجازة صيفية بينما تقاتل القوات الأميركية في لهيب حرارة صيف بغداد والعراق، واعتبر الوزير الأميركي أن أوضاع العراق مخيبة للآمال لعدم إحراز الحكومة العراقية تقدماً كبيراً، محذراً بأن الإدارة الأميركية ستعيد النظر في استراتيجيتها في العراق مع حلول منتصف شهر سبتمبر المقبل.
إذن المالكي يقف على هامش سياسي دقيق فحكومته الناقصة للتمثيل السني والمقاطعة المتذبذبة من بعض القوى الحليفة له تجعل مزاجه أكثر حدة في وقت يحاول التحالف الرباعي داخل العراق المؤلف من الحزبين الكرديين التابعين للطالباني والبرازاني والحزبين الشيعيين التابعين للحكيم والمالكي دفعه للقيام بهذه الجولة بين طهران ودمشق التي لم تحظ بالرضا الأميركي.
فيما غريمه أو سلفه الجعفري يحاول استنهاض تجمع وطني يجمع كل القوى والأطراف المعترضة على الحكومة الحالية، ويتوقع أن يكون لهذا التجمع تأثير كبير في الحياة السياسية في المرحلة المقبلة لأنه سيضم إليه قوى كانت دائماً في موقع المعارضة منذ بداية العملية السياسية في العراق.
المالكي يسير على حبل مشدود، ويبدو أن المشي على هذا الحبل يحتاج إلى مهارة فائقة في ظل الأوضاع التي يعتبرها البعض «فترة سماح» قبل هبوب العواصف التي يبشر بها الكثير من المراقبين والمسؤولين وصناع القرار.. وحتى المنجمين، بأن فترة ما قبل الخامس عشر من سبتمبر المقبل هي غيرها تماماً بعد هذا التاريخ.
ولكن كذب المنجمون ولو صدقوا..!