في فبراير 1943 التقى الرئيس الأميركي روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود في قمة سرية أميركية سعودية هي الأولى في تاريخ العلاقة بينهما على ظهر قطعة عسكرية بحرية أميركية في البحيرات المرة في مصر، وهي قمة لم يكشف عنها إلا بعد سنوات من انعقادها، وعقب هذه القمة ولد تحالف أميركي سعودي صمد أمام الكثير والكثير من العواصف المحلية والإقليمية.
وعقب الحرب العالمية الثانية في فبراير 1945 بدأ يتشكل تحالف غربي من القوى «الديمقراطية» سرعان ما تحول إلى حلف الناتو الذي شكل الصراع بينه وبين حلف وارسو المنهار صفحة مثيرة من تاريخ الصراع الدولي.
ومنذ عرف العالم سياسة الأحلاف قبل قرون والصراع على السيادة على العالم لم تنفرد به دولة منفردة بل كانت التوازنات تقوم بالأساس على دولة تقوم بدور رئيسي وتستطيع أن تجمع حولها مجموعة من القوى حول «مصالح» و«قيم» تشترك هذه الدول في الدفاع عنها، وغالبا تظهر دولة أو دول تتبنى تصوراً مغايراً للقيم وخارطة مختلفة للمصالح ويبدأ الصراع. فهل كتب انفراد أميركا بسيادة العالم نهاية عصر الأحلاف؟
حلف أعداء أميركا
ومن له معرفة بآليات نشأة مثل هذه الأحلاف يصدمه درجة الاستخفاف التي يتعامل بها الإعلام العربي مع «التصريحات» السياسية المنتقدة لأميركا بوصفها بداية تبلور تحالف جديد معادٍ لها يحل محل حلف وارسو ويعيد أجواء الحرب الباردة، قبل سنوات كان يتم تضخيم تصريحات المستشار الألماني غيرهارد شرودر ولفتات الرئيس الفرنسي جاك شيراك حول السياسة الأميركية بوصفها دليلا قاطعا على ميلاد حلف ألماني فرنسي معادٍ لها.
ومع وجود مؤشرات قوية على انتهاء الظاهرتين برحيل المستشار الألماني والرئيس الفرنسي تحول التركيز على الصين وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية بجمعها في سلة واحدة باعتبارها جميعا رأس حربة تحالف دولي جديد معادٍ للولايات المتحدة. وبطبيعة الحال ترافق مع هذا تركيز على القضايا الخلافية في العلاقات الأميركية الروسية لتأكيد أن الحرب الباردة عادت من جديد.
وهذه القوى جميعا لا يجمعها تصور واحد للقيم ولا المصالح وهم في المجمل قوى متنافرة يجمعها العداء لأميركا وكل منها تنتمي لمحيط حضاري مغاير ومصالحها ليست متكاملة بأي معنى، بل إن بعضها تتسم مصالحه بالتنافر التام أو الجزئي. والفرق بين الحلفاء و«شركاء العداء» كبير جدا ولا يمكن أن يتحول هذا العامل المشترك إلى قاعدة للتحالف ما لم يستكمل شروط تبلوره بتصور للقيم وخارطة للمصالح، فما الذي يمكن أن يجمع هذه الأشتات؟ وما مستقبل تحالف كل ما يجمع أعضاءه خصومة طرف آخر؟
آسيا الجديدة
والأهم من الفهم الغلط أنه يخفي المعنى الحقيقي لما يحدث على ساحة السياسة الدولية وهنا تصبح الخسارة مضاعفة، فبينما انهار حلف وارسو توسع حلف شمال الأطلنطي وفي المقابل نجحت أميركا في إخراج استراليا من الظل لتقوم بدور إقليمي ودولي متصاعد، كما نجحت في دفع اليابان لأن تقوم بدور دولي أكثر فاعلية في إطار التحالف الأميركي الياباني الوثيق، ولكن الجديد أن اليابان خطت خطوة أخرى للأمام لتنطلق منها دعوة لبناء تحالف للقوى «الديمقراطية» الآسيوية كجزء من تحالف ديمقراطي عالمي.
الدعوة أطلقها رئيس الوزراء الياباني شينزو ابي متحدثا عن شراكة «آسيوية أوسع» بين الديمقراطيات تضم الهند والولايات المتحدة واستراليا، مغفلا الصين، والأهم أنه أطلق الدعوة في خطاب ألقاه أمام البرلمان الهندي في بداية زيارة له للهند. وتهدف الرحلة لدعم التجارة بين اليابان أكبر اقتصاديات آسيا والهند ثالث أكبر اقتصاد ليشكل البلدان ثقلا موازيا للصين.
وقد قال آبي في خطابه «هذه الشراكة هي رابطة نتشارك فيها القيم الأساسية مثل الحرية والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان الأساسية إضافة إلى المصالح الاستراتيجية». داعيا إلى «تعاون اليابان والهند بهذه الطريقة ستتطور (آسيا الأوسع) إلى شبكة هائلة تمتد عبر المحيط الهادئ كله، تضم الولايات المتحدة الأميركية واستراليا».
وبعيدا عن الترديد الببغائي لأرقام مربكة وموهمة بدلالات غير صحيحة عن المعجزة الصينية تشير الدراسات إلى أن الهند في طريقها لأن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم عام 2050 بلا منافس وهو ما يعني أن تصبح القوى الاقتصادية الديمقراطية هي الأكبر في العالم (أميركا ـ اليابان ـ بريطانيا ـ ألمانيا ـ الهند).
وبالتالي يصبح الصراع في ساحة الاقتصاد محسوما، حيث تظل الصين مهما حققت من نجاح قوة وحيدة غير ديمقراطية على مائدة الكبار. والدور الهندي الذي يقترحه رئيس وزراء اليابان درس مهم في الدور الذي تلعبه الديمقراطية في نجاح التنمية الاقتصادية، فهي تسجل معدل نمو بلغ 4 ,9 % سنويا وتخطى ناتجها الإجمالي ألف مليار دولار سنويا ما يحولها إلى القوة الاقتصادية ال11 في العالم.
وبينما تتقدم الصين بخطى سريعة ـ لكن بكلفة اقتصادية واجتماعية عالية جدا - على طريق إنتاج ضخم الحجم منخفض الكفاءة فإن الهند تتحول إلى «سيليكون فالي» العالم حيث ينمو قطاع تكنولوجيا المعلومات بطريقة مذهلة، فمن بداية صغيرة عام 1985 أصبح قطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي، يسيطر الآن على أكثر من 50 % من تكنولوجيا المعلومات ونقل الخدمات على مستوى العالم.
ونما هذا القطاع الهندي محققا زيادة في الصادرات مقدارها 30 % سنويا، وهو يتكون مما يقرب من 3300 شركة تصدر منتجاتها إلى 150 دولة في العالم. وتوجد في الهند ثاني أكبر مجموعة علمية في العالم تتحدث الإنجليزية بعد الولايات المتحدة.
وهذه الصورة التي ترسمها التجربة الهندية لآسيا مختلفة تماما عن الصورة التي ترسمها التجربة الصينية، فآسيا «الصينية» شمولية جماعية تلهث لإنتاج أكبر «كم» ممكن من الأشياء والسلع دون اكتراث للثمن الإنساني، بينما آسيا «الهندية» ديمقراطية تعددية مشغولة بالكيف في المقام الأول وللفرد فيها دور لا يخنقه المجتمع ولا يقيده بقيود الأيديولوجيا الحاكمة.
فهل تتحول آسيا بعد دعوة آبي من تشكيل حضاري «شرقي» مفرط في معاداته لكل ما هو غربي لمجرد أنه غربي أم تولد آسيا جديدة تقود مثلثا استراتيجيا جديدا (اليابان - استراليا - الهند) وتكون وجهته الديمقراطية؟ إنه حلم سيكون بالنسبة لكثير من مثقفينا كابوساً
كاتب مصري