رصيد أي ممتهن أو محترف للكتابة ليس مجموع الحروف والنقاط والكلمات التي تعبر عن أي فكرة ما، وإنما الفائض من الحب مع القارئ العادي، والأمين دائماً على ما يقول أو ما يفكر به، و من هذه النقطة بالذات كثيراً ما أتلقى الأسئلة من شرائح اجتماعية كبيرة، تسأل لماذا لا يكون الشأن الداخلي أهم من الكتابة في الأمور السياسية والدولية، خاصة وأننا نمر بمرحلة بناء هائلة لها قضاياها المتشابكة التي تحتاج إلى المعالجات الواقعية والتي لها القرب الأهم مع ذهنية المجتمع وهمومه.
وبما أنني لا أصنف مع مجموعة الناجحين في الكتابة، ليس تواضعاً، وإنما قناعة ذاتية، فإنني من المؤمنين بأن مطالب القارئ في الوطن على حق دائماً، لكن طالما المواضيع التي تطرح تتجه إلى الهم العام الداخلي، فإننا لا نستطيع فصل الوضع الداخلي عن الخارجي لأننا نعيش في عالم متداخل الغايات، وقد عشنا حروب الخليج التي وقعت على أطراف حدودنا، وتعرضنا حتى في العمق إلى صواريخ صدام، وقبلها حرب 1973التي اعتبرت بارتفاع أسعار النفط فوق كل التوقعات، سبباً بتسميتها بالحرب العالمية الثالثة للنفط حين جاء الاتفاق على حظر تصديره قضية مسّت كل العالم.
إذن الأهمية لبلدنا لا توضع في اتجاه واحد أو خانة واحدة، ثم إن ما يجري على الأرض العربية الملتحمة قسراً مع همومنا وأوضاعنا تجبر أي كاتب أن يرى الأمن القومي جزءاً من الأمن الوطني، وأن علاقاتنا الدولية، والمتداخلة في الشأن الاقتصادي والسياسي، وحتى الديني والثقافي، أضافت بعداً آخر لدورنا العالمي..
فالمملكة ليست بلداً هامشياً شبه معزول عن عالمه، وحتى مع وجود الثروتين النفط والحرمين الشريفين، هناك استراتيجية الموقع المطل والمتداخل مع العديد من الدول العربية، وحتى الفواصل البحرية مع الأطراف الخارجية ليست مانعاً عن تشابك القضايا، إذ أن البحر العربي، والمحيط الهندي، يعدان جزءاً من تلاحم جغرافي مع آسيا، وبهذا القياس نجد أيضاً الحدود البرية، والبحرية الأخرى، أحزمة تستدعي أن نكون الأكثر وعياً واستعداداً لأي احتمالات جديدة..
وطالما المسؤوليات لا تسقط بالتتابع عن مواطن وآخر، أو رجل مهم في السلطة وآخر له إسهامات مباشرة في بنود العمل المفتوحة، فإن من يحمل هذه الهوية هو جزء من عنصر فاعل، أياً كان دوره، وتصدق مقولة الشاعر بما معناه "نحن خدم لبعضنا.. حتى لو لم نشعر بذلك"، ومن هنا إذا كان الكاتب يعتبر جزءاً من منظومة العمل، وأنه أمين على ما يقول ويتحمل تبعاته، وبالتالي ربما يكون الأقرب الى الذهنية العامة، فهذا تطور مهم لا يعتبر مكسباً له، وإنما لقياس نمو الوعي العام الذي حتى الكاتب لا يصبح خارج قوانين المساءلة والمحاسبة والنقد الحاد إذا ما خالف القواعد العامة، أو بالغ في الخصومة، أو التقوّل على الآخر، وهذا الحس العام جاء في حسابات المكاسب أي أن سلطة المجتمع تبقى الرقيب الذي يجب أن يخضع لاحترامه أي إنسان.