تعزز الحدود الغامضة بين ما هو حي (الإنسان) وبين ما هو غير حي (الآلة) رغبة فكرية في الهروب، إلى فضاء التأمل حيث يطوف العقل في تخوم خاصة تطل على مناطق شتى من المعرفة اللايقينية التي يختزنها الإنسان في دهاليز ذاكرته وذلك للتمعن في التراكيب المختلفة والخصائص المتنوعة، التي تصنعها المنظومات المعقدة، حين تتداخل عناصرها الحية (الإنسان) مع عناصرها غير الحية (الآلات).

فالتفكير في هذه الحدود الغامضة وفي العلاقة بين الإنسان وبين الآلة مدخل جديد لفهم استراتيجية القوى الفاعلة في الساحة الدولية. فالآلة قد تستعبد الإنسان وتحوله إلى أحد امتداداتها مما يبعث لديه شعوراً بالكراهية لها في الحالات التي تنشأ فيها علاقات إنتاجية يصبح فيها الإنسان مستغلاً ومصدراً لثراء شخص آخر. وقد تستعبد الآلة الإنسان لشغفه بها وعند ذاك تتحول العلاقة معها إلى علاقة عشق وليس كراهية و تصبح أحد امتداداته.

تمتاز الحياة في مجتمعنا المعاصر بميزات شتى أبرزها الصلات المتزايدة بين الإنسان وبين الآلات المتنوعة، التي تعزز الانتماء إلى عالم مادي صنعناه بأنفسنا وأصبحنا غير قادرين إلا على زيادة التصاقنا به،

إنه عالم التكنولوجيا الساحر الذي يتجلى في العلاقة مع إحدى نتاجاتها، ابتداء من الراديو والهاتف الخلوي إلى التلفزيون وأجهزة استلام المحطات الفضائية وأدوات الاستخدام المنزلي والمكتبي وغيرها. وهذه الصلات التي بقدر ما هي مفيدة ولا غنى لنا عنها في أداء مختلف أعمالنا ، في العصر الحالي، إلا أنها في الوقت نفسه وسيلة ابتعاد عن الآخرين وتقليص للصلات الإنسانية مع الآخرين.

وكل من هذه الأدوات فيه من الإغراءات والجماليات ما يغري باستعماله وقضاء الوقت ، طال أم قصر بجانبه. وإذا تجاوزنا عن ذكر الكثير من الأجهزة فلا يمكننا أن نهمل دور الحاسوب (الكمبيوتر)، رغم إن هذه التسمية لم تعد مناسبة لإطلاقها على هكذا جهاز،

فهو لم يعد يستخدم لإجراء الحسابات المعقدة التي صنع لأول مرة من أجل إجرائها وإنما للقيام بجميع ما يمكن للمرء أن يتخيله من مهام وبضمنها الألعاب المسلية التي تسلب مخيلة الصغار والكبار على السواء. ولا يكاد يخلو أي نشاط يقوم به الإنسان من استعمال لأحد نتاجات التكنولوجيا ابتداء من إعداد وجبات الطعام وإلى الأمور الأخرى المختلفة وفي أدق تفاصيل الحياة.

إن الإنسان بطبيعته مخلوق اجتماعي يكتسب المهارات في الكلام وفي السلوك من خلال اللقاء مع الآخرين، سواء لإغراض الدراسة أو العمل أو اللهو. وقد نشأت العادات والأعراف وأساليب العمل واللهو انطلاقا من السلوك الغريزي لهذا الإنسان.

إلا أن ما تقدمه التقنيات العصرية من أساليب عمل ونظم حياة ينسجم مع ما يدخل مجال الاستخدام يومياً ، من الأدوات المعقدة والمتنوعة قد بدأ يفرض واقعاً جديداً على أنماط الحياة المختلفة مما أوجب التعامل مع هذه التكنولوجيا بقدر من المعرفة وقدر من النباهة.

ونستطيع القول إن بيئتنا تتجه وبشكل سريع نحو الابتعاد عن النمط الطبيعي والعيش في بيئة اصطناعية. وقد اعتدنا على أن تكون صلاتنا ببعضنا البعض ليست مباشرة وإنما من خلال عدد كبير من المعدات التكنولوجية. وقد حصل هذا على حساب قدراتنا في إقامة الصلات الحقيقية التي بدأت تضعف.

ليس من المعروف إن كانت أجهزتنا الحسية الإدراكية مصممة طبيعياً لاستلام هذا الكم الكبير من المعلومات عبر هذه الوسائل التكنولوجية. وحيث إن التكنولوجيا مستمرة في التوسع الأفقي في مساحات حياتنا اليومية ، مما يدفعنا للصراع بشدة في محاولة اللحاق بها والعمل على التكيف مع متطلباتها.

إن إحدى عواقب ذلك هو بداية الشعور بالغربة عن بعضنا البعض وازدياد الخوف من الاتصال المباشر بيننا ، وقد انعكس ذلك بوضوح في عالم الأعمال مما حدا بالعديد من رجال الأعمال إلى التأكيد مؤخراً على ضرورة التوسع في الاتصال المباشر داخل شركاتهم وبدأوا يبحثون عن السبل إلى ذلك.

إن عالم الأعمال ، يعتمد بشكل أساسي ، على العلاقات والاتصالات ، ابتداء من الذين هم على اتصال مباشر مع الزبائن ، إلى المدراء و صناع القرار ، سواء داخل الشركة أو خارجها. إن فن الاستماع يكشف لنا العقبات التي تقف حائلة أمام الإصغاء باسترخاء إلى الآخرين ،

فليس هنالك ما هو أهم من الحديث والاتصال المباشر والاستماع ، إن كان الهدف هو تفهم بعضنا البعض. إن الاستماع يشمل في حقيقته، ليس كما يبدو الأذنين فقط وإنما جميع الحواس ، ويشمل كذلك تطوير وتنمية قدرة الاستقبال التي تكمن ما وراء هذه الحواس لدى المرء.

إن إحدى أبرز مميزات الاستماع هي تنمية قدرة المرء على الكلام، فنحن قادرون على الكلام بشكل مؤثر متى ما نجد إن هنالك من يستمع إلينا ، وإن ما نقوله يلاقي آذاناً صاغية من الآخرين. لذلك يتحسن أداء المعلم بالمراس ولذلك يتعلم الطالب في الصف ليس فن الإصغاء فقط وإنما فن الكلام والتعبير فن التأثير على الآخرين

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae