في مايو الماضي وبعد أيام قليلة من بدء القتال بين الجيش اللبناني وما يدعى بتنظيم «فتح الإسلام» كتبنا مقالا في هذا المكان تحت عنوان «اندلعت اللبننة.. وداعا لبنان»، واتهمنا البعض بالإفراط في التشاؤم والخضوع لفكر المؤامرة، وقلنا في مقالنا أن أعداء السلام والاستقرار في لبنان فشلت محاولاتهم لتفجير الأوضاع بين الخصوم السياسيين في لبنان، ولم يعد أمامهم سوى إيجاد عنصر خارجي يدعمونه بالمال والسلاح لينفذ أوامرهم ومخططاتهم لتفجير الوضع.
وهذا بالضبط ما سبق أن فعلوه في البلقان وما يفعلونه الآن في العراق عن طريق جيوش المرتزقة المجلوبة من مختلف أنحاء العالم، والتي تحمل مسميات وشعارات إسلامية وتملك من السلاح والعتاد ما يؤهلها لمواجهة الجيوش النظامية ونشر الفوضى والرعب في البلاد، لقد قلنا آنذاك أن الشبح الذي خرج في مخيم نهر البارد ليس إسلاميا ولا فلسطينيا ولا ينتمي لأية جهة عربية أو إقليمية في المنطقة وإنما هو من إعداد وتدبير جهات دولية ذات استراتيجيات واسعة.
الآن وبعد مئة يوم من القصف المتواصل والمتبادل وبكثافة كبيرة بين الجيش اللبناني وما يدعى «فتح الإسلام»، ومع المئات من القتلى والجرحى من الجيش اللبناني لا يمكن لأحد أن يتصور أن هذا التنظيم تابع لأية جهة عربية فلسطينية أو سورية أو غيرها، لأن لا أحد يمكنه أن يتصور على الإطلاق أن هذا التنظيم في هذا المخيم الصغير ومع هذا النطاق القوي من الحصار المفروض عليه من الجيش اللبناني لديه كل هذا المخزون من الأسلحة والصواريخ أو لديه الإمكانية للحصول على إمدادات عسكرية بهذه الكثافة من أية جهة عربية، بالضبط .
كما هو الحال في عدم إمكانية تصور أو تصديق امتلاك الطوائف المتناحرة في العراق وما يسمى كذبا بالمقاومة العراقية للآلاف من السيارات المفخخة وأطنان العبوات التفجيرية ومئات الانتحاريين، مع شبح الموت الذي اقترب عدد ضحاياه في العراق من المليون.
وقد برأت محكمة العدل الدولية مؤخرا الصرب من المذابح الجماعية التي راح ضحيتها المئات من أهالي البوسنة والهرسك بعد أن ثبت لها وجود عناصر أجنبية مرتزقة جلبها البريطانيون والأميركان للبلقان لترتكب هذه الجرائم البشعة ليتم إلصاق الاتهامات للصرب ولينيندلع مسلسل البلقنة الذي فتت يوغوسلافيا القوية والكبيرة.
الآن وبعد أن توقفت الاتهامات للفلسطينيين والسوريين بسبب الدهشة من القتال الضاري والقوي من قبل ما يسمى بفتح الإسلام وبعد التصريحات الصادرة من قادة هذا التنظيم والتي توضح انتماءهم لجهات أخرى أجنبية خارج المنطقة العربية والإقليمية، وبعد أن انعكست الآية فأصبح الجيش اللبناني هو الذي يوصف بالصمود مع تزايد أعداد قتلاه وجرحاه كل يوم.
وبعد أن ترددت التساؤلات حول مصادر الإمدادات القوية التي تصل لهذا التنظيم المجهول والمحاصر داخل المخيم من جميع الجهات، تأتينا معلومات من صحف ومواقع إنترنت أجنبية تشير إلى صلة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بتنظيم «فتح الإسلام»، وأنه صاحب فكرة زرع هذا التنظيم داخل مخيم نهر البارد وهو المشرف على نشاطه والمخطط لأهدافه، وإن كانت المعلومات لا تفيد بتوضيح أهداف هذه الخطة، وتذهب بعض المعلومات إلى حد القول أن الإمدادات تصل لفتح الإسلام بشكل منتظم من الخارج وعبر قنوات داخلية في لبنان.
الأمر ليس بغريب، بل لا توجد تفسيرات أخرى لهذا القتال الضاري والمستمر في مخيم نهر البارد سوى وجود يد أجنبية ذات نفوذ قوي وصلة بجهات لبنانية تقف وراء ما يحدث هناك، إنه بالفعل امتداد لمسلسل «بلاك ووتر» الدائر في العراق، والذي انكشف مؤخرا وأصبح حديث الساعة حول نشاط شركات ومكاتب جلب المرتزقة التي اتفقت معها السلطات العسكرية البريطانية والأميركية لنشر الفوضى والدمار وإثارة الاضطرابات والفتن الطائفية والعرقية.
وليس غريبا أن يكون ضمن هؤلاء المرتزقة العديد من العرب والمسلمين، وليس من المستبعد بل من المتوقع قريبا أن يمتد نشاط «فتح الإسلام» إلى مختلف ربوع لبنان. كل هذا يدل بالقطع على أن لبنان ينجرف وبسرعة نحو الهاوية إذا لم تدرك الفصائل والتيارات المتصارعة هناك بسرعة خطورة وكارثية الموقف وتسعى مجتمعة ومتحدة للتصدي له.