أعرب، أمس، الرئيس بوش عن «خيبته»، لعدم حصول أي تقدم في العملية السياسية بالعراق. وفي هذا السياق أرسل تحذيراً مبطناً إلى حكومة المالكي، عبر التلويح بسحب البساط من تحتها. سفيره في العراق راين كروكر، سبقه بساعات وأدلى هو الآخر بدلوه في هذا الخصوص. وصف حركة الحكومة العراقية، في المجال السياسي، بأنها «مخيبة جداً».
السفير الأميركي في الأمم المتحدة، زلماي خليل زاد، كان أيضاً قد نطق بكلام مماثل. وتزامن كل ذلك مع دعوة اثنين من أركان مجلس الشيوخ الأميركي، البرلمان العراقي لإسقاط حكومة المالكي؛ إذا تعذّر عليها تحقيق المصالحة السياسية مع خصومها.
اوركسترا أميركية كبيرة تعزف اللحن نفسه وتضع كل اللوم والمسؤولية على الحكومة العراقية؛ بزعم أنها لم تقوَ على كسر جليد الأزمة وإحراز التقدم المطلوب الأمر الذي يترك الانطباع بان المفتاح الأول والأخير للخروج من الدوامة موجود بيد الحكومة؛ وبأنها ترفض استخدامه لهذا الغرض.
ثمة محاولة هنا للتنصّل. أو لذرّ الرماد في العيون. فبصرف النظر عن مدى مسؤولية الحكومة بهذا القدر أو ذاك، على صعيد التفاصيل أو الإجراءات؛ إلاّ أن العطب الذي أدّى إلى هذه الحال أسبق من ذلك وأعمق بكثير. الرئيس بوش يعرف ذلك.
وأيضاً تعرفه إدارته والكونغرس والرأي العام الأميركي والعالمي. الخطأ الأصلي المتمثل بافتعال الحرب، تناسلت عنه أخطاء، بل خطايا مدمرة ولم يُصَرْ إلى تداركها. بل ما حصل أدّى إلى مفاقمتها؛ حيث تحولت إلى أورام شبه سرطانية. ومنها التشبث بالحلّ الأمني واعتباره الممر اللازم لاستتباب الأمور.
فالإدارة الأميركية رفضت كل التوجهات الدبلوماسية. وعلى رأسها توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون الأميركية؛ التي شدّدت على وجوب اعتماد الخيارات السياسية. كذلك تحذيرات العسكريين من المراهنة على الحلّ العسكري بدلاً من ذلك اختارت زيادة القوات بنحو 30 ألف جندي.
الرئيس بوش لا يكف عن الحديث حول نتائج واعدة للحملة الأمنية؛ سوف يكشف تقرير الجنرال بتريوس المرتقب صدوره أواسط سبتمبر المقبل. والملفت أن هذه الاوركسترا الأميركية قد لجأت إلى رفع وتيرة عزفها على وتر الحكومة العراقية بهذه الدرجة مع اقتراب موعد هذا الاستحقاق. وكأن في ذلك محاولة لرمي الكرة في غير ملعبها.
بصرف النظر، مرة أخرى، عن مقدار مسؤولية العراقيين حكومة ومعارضة في نهاية المطاف؛ إلا أن إدارة الرئيس بوش لا يسعها تقليص المشكلة وتلخيصها، بهذه الصورة فهي اللاعب الرئيسي على الأرض، في عراق اليوم. وهي التي عملت باستمرار على ترجيح كفة المعالجة الأمنية.
ولا تزال كذلك. فضلاً عن أن ممارساتها على الأرض ساعدت على تأزيم الأمور وتعقيد المخارج والحلول، والآن تأتي لتتحدث عن فضائل التوافق السياسي وضرورته وتقصير الحكومة في هذا الخصوص. الأمر الذي يبدو وكأنه محاولة للبحث عن كبش فداء. طبعاً في آخر النهار، لن يُخرج العراق من محنته إلا العراقيون لكن كلام واشنطن الآن وفي الإطار الذي جاء فيه، ليس سوى كلمة حق أريد بها باطل.