تعيش منطقة الشرق الاوسط هذه الايام حربا باردة ولكن من نوع مختلف، طرفاها الولايات المتحدة الامريكية من ناحية وايران من الناحية الاخري، اما العرب، شعوبا كانوا ام حكومات، فهم الادوات الرئيسية فيها.
في الحرب الباردة، التي اندلعت في مرحلتي الستينات والسبعينات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، جرت الاستعانة بالاعلام والدعاية، بل وحتي الحروب الصغيرة بين الحلفاء نيابة، او بالايعاز من الكبار، لتصفية حسابات او استعراض قوي، وهذا المشهد يتكرر في الحرب الجديدة بين ايران والولايات المتحدة في اكثر من بقعة، وخاصة لبنان والعراق وافغانستان.
الادارة الامريكية تتهم ايران بتسليح الميليشيات الشيعية المعارضة لوجود قواتها في العراق، مثل جيش المهدي التابع للتيار الصدري، بل وذهبت الي ما هو ابعد من ذلك عندما قالت ان طهران تدعم تنظيمي القاعدة و طالبان في افغانستان بالمال والسلاح، الامر الذي ادي الي تزايد هجماتها بشكل ملحوظ ضد قواعد قوات حلف الناتو في افغانستان.
ما تريد ان تقوله هذه الادارة هو ان ايران اخذت مكان الاتحاد السوفييتي القديم في دعم حركات التمرد او الارهاب المعادية لواشنطن وحلفائها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان و حماس في فلسطين المحتلة، الي جانب تنظيمي القاعدة و طالبان في افغانستان.
الحرب الباردة الاولي لم تتطور مطلقا الي مواجهات عسكرية بين طرفيها الرئيسيين، اي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، واقتصرت علي الحروب بالنيابة، اي بين الحلفاء الصغار المنخرطين فيها، في هذا المعسكر او ذاك، ولكن الحرب الباردة المستعرة حاليا بين ايران والولايات المتحدة ربما تأتي مختلفة في الاسلوب والنتائج، لان احتمالات المواجهة العسكرية في تصاعد مستمر في ظل هذا الحشد الضخم من السفن الحربية الامريكية في الخليج.
وعمليات التسليح الجارية للمملكة العربية السعودية ومصر والمشيخات الخليجية الصغيرة. فقبل اسبوعين اعلنت الادارة الامريكية عزمها بيع ما قيمته 65 مليار دولار من الاسلحة الحديثة والمتطورة الي هذه الدول، عشرون مليارا منها الي المملكة العربية السعودية لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة القوة الايرانية المتنامية التي تري واشنطن انها تهدد استقرار المنطقة.
شراء دول الخليج اسلحة غربية، وامريكية علي وجه الخصوص، ليس امرا جديدا او مفاجئا. فالمملكة العربية السعودية اشترت ما قيمته اربعون مليار دولار من الاسلحة الامريكية في التسعينات، وحوالي مئة مليار دولار من الاسلحة البريطانية او ما سمي في حينها بصفقة اليمامة، او صفقة القرن .
ولكن اللافت ان ايا من هذه الاسلحة لم تستخدم ضد اسرائيل، وانما جري توظيفها في الحروب الامريكية ضد العراق. فطائرات الاواكس السعودية التي بلغت قيمتها ثمانية مليارات دولار، واعترض اللوبي الاسرائيلي بشدة علي بيعها في حينها، جري توظيفها بفاعلية لفرض مناطق الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبه قبل الغزو والاحتلال، اما صفقات الاسلحة الاخري فجري استخدامها في حرب عاصفة الصحراء التي ادت الي اخراج القوات العراقية من الكويت.
الاحصاءات الرسمية تقول ان دول الخليج تستقبل سنويا خمسمئة مليار دولار هي حجم العوائد النفطية الناجمة عن الارتفاع الكبير في اسعار هذه المادة، ووصول سعر البرميل الي سبعين دولارا، وهذا الفائض المالي الضخم لا بد من امتصاصه في صفقات اسلحة جديدة تستخدمها واشنطن في حربها المقبلة ضد ايران، وهذا ما يفسر الخطوة الامريكية المعلن عنها في هذا الصدد.