أصبح العراق مجالاً كبيراً لإبراز التناقضات في السياسة الخارجية لبعض الدول وأهمها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وفرنسا. فالسفير الاميركي في بغداد (رايان كروكر) يتحدث اليوم عن قصور في التقدم السياسي بالعراق، بعد ان مزقت بلاده اوصال ذلك البلد العربي وقطعت الاواصر بين شعبه وطاردت كل صوت يدعو إلى الحفاظ على وحدة العراق والمصالحة بين أبنائه.

وحين انكشفت سوأة الاميركيين ووجدوا ان رجلهم في العراق (نوري المالكي) اخذ يتجول في دول الجوار من ايران الى سوريا ازداد جلاء الامر وتوضحت امام عيون الإدارة الاميركية بشاعة ما جنت يداها فها هو رجلها الأول الذي كانت تراهن عليه صار يخطب ود خصوم اميركا في طهران ودمشق، ومن ثم فلا نستغرب أن يشرع ساسة واشنطن في انتقاد المالكي والحض على تغييره، ليس بأيديهم ولكن بأيدي العراقيين، فمتى كان العراقيون يملكون زمام التغيير منذ الغزو حتى الآن؟

التناقض الآخر هو تناقض الموقف البريطاني، فالسياسيون مترددون في سحب قواتهم رغم ان قادة جيشهم ينصحون بالانسحاب من العراق اليوم قبل غد وحتى لا يضطرون الى (انسحاب مهين) حسب تقارير قياداتهم الميدانية، ذلك على الرغم من ان بعض البريطانيين ما زال يعتقد ان ما فعلوه في العراق كان من اجل الحرية والديمقراطية.

واليوم نسي البريطانيون الاهداف التي جاءوا من اجلها الى العراق واصبح همهم الوحيد البحث عن مخرج يحميهم من عشرات القذائف المنهمرة عليهم وعشرات الآلاف من المسلحين المتربصين بهم من فوقهم ومن تحت ارجلهم. بينما راح بعض الزعماء العراقيين يهنئ انصاره بانتصارهم على القوات البريطانية من الآن.

اما التناقض الثالث فوقعت فيه فرنسا، التي طأطأت رأسها من البداية لأفاعيل واشنطن ولندن، واليوم يذهب وزير الخارجية الفرنسي الى العراق، وهو انقاض ليذكر العراقيين بأن باريس رفضت الغزو من البداية، لكن العرب كلهم وليس العراقيين وحدهم يعلمون ان كل القرارات التي صدرت بحق العراق اتخذت (بموافقة) فرنسية او على الاقل بغض طرف فرنسي، فلماذا كل هذه الالاعيب السياسية؟ الم يكن بمقدور فرنسا ان ترفع حق النقض (فيتو) ضد اي قرار اميركي بريطاني في مجلس الامن بشأن العراق؟

حتى قبل الغزو، وحين كان الشعب العراقي يعاني من حصار ظالم استمر ثلاث عشرة سنة قبل ان يضاف اليه آلام الحرب وغوغائية الجيش الاميركي ومسلسل النهب لثرواته والقتل لأطفاله بكل وسائل القتل؟ فإذا كانت باريس تعتقد أن القضية خاسرة من البداية فلماذا لا تقدم مشروع قرار وتصر عليه لإخراج القوات الاجنبية من العراق لتضيف ربحاً لموقفها وتخفف عبئا عن كاهل الشعب العراقي؟

ان زيارة كوشيز تأتي في الوقت الضائع قبل انفضاض المباراة الخاسرة لكل من البريطانيين والاميركيين بعد ان اختلطت الاوراق واخذت واشنطن تستجدي حلولاً من كل الاطراف التي كانت ترفض مشاركتها التخطيط لمستقبل العراق بما في ذلك الامم المتحدة نفسها.

ان الشعور بالسقوط في فخ التناقض والمهانة السياسية والعسكرية هو الذي يحرك العواصم الضالعة في تخريب العراق، وما نأمله ان يسجل التاريخ بصدق أسماء من شارك في تحطيم مقدرات هذا البلد العربي الشقيق بأحرف مكللة بالعار، وها نحن نترقب الحلول المرتجلة التي يريدون ان يستتروا تحتها للخروج بأقل (مهانة) ممكنة من المستنقع العراقي.