مع عجز كثير من الأنظمة التقليدية عن رعاية المصالح الاجتماعية والاقتصادية للشعوب ارتفعت معدلات الفقر والتهميش لقطاعات واسعة من المجتمعات، وشكلت بؤراً للتوتر وعدم الاستقرار تهدد الأمن الاجتماعي والإنساني في مجتمعاتها، وخرجت أصوات تدعو للاعتماد على الذات والمشاركة المجتمعية والتصدي لهذه الأوضاع.

فجاءت الاستجابة لهذه الدعوات من قبل تنظيمات اجتماعية غير حكومية، طوعية، غير ربحية صنفت تحت مسمى «القطاع الثالث» لموقفها المتوسط بين القطاعين العام والخاص، وحملت على عاتقها قضايا السكان والصحة والبيئة، والتعليم والخدمة الاجتماعية وحقوق الإنسان والمرأة والأطفال والشباب والمعاقين، وصولاً إلى الديمقراطية والحقوق المدنية والسياسية والمشاركة الفعالة في التنمية البشرية والتنمية الشاملة المستدامة وغيرها.

لقد انقسم الدارسون في تفسير تطور وارتقاء هذه الظاهرة فمنهم من يراها تطوراً طبيعياً نشأ عن حاجة المجتمع البشري لأشكال وصيغ جديدة لإدارة شؤونه وحل مشكلاته، ومنهم من يراها كأحد نتاجات العولمة التي تربط المجتمع المحلي بالمجتمع المدني الدولي.

في حين يردها فريق ثالث إلى فشل مشروع الدولة الوطنية وعدم قدرتها على القيام بمهماتها في مواجهة مشكلات الفقر والصحة والبيئة والمياه وفي عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي والإداري، فنشأت المنظمات الأهلية والمدنية لتحل محل الدولة في التصدى لهذه المشكلات.

ومع العولمة وما أحدثته من تحولات على المستوى السياسي الدولي برزت ظاهرة المنظمات غير الحكومية كأحد أبرز هذه التحولات، فالعالم اليوم يشهد نمواً انفجارياً لهذه الظاهرة في الكم والكيف. وتشير الدراسات إلى وجود (70000) منظمة أهلية عربية، (كريم أبوحلاوة ـ التحولات المجتمعية ودور المنظمات الأهلية).

على أنه وبالرغم من كون المنظمات غير الحكومية تبدو وكأنها اللاعب الذي لا يشق له غبار في مجالات التنمية المجتمعية الشاملة، إلا أنه تعاني جملة من نقاط الضعف التي تؤثر على وجودها وانتشارها ونوعية برامجها وطريقة أدائها، وقد كشفت الدراسات العلمية عن كثير من نقاط الضعف هذه كان من أبرزها ضعف البناء المؤسسي، وغياب الممارسات الديمقراطية داخل الهيكل التنظيمي للمنظمة.

ناهيك عن غياب التنسيق والتعاون على المستويين المحلي والوطني، وكلها ثغرات تؤثر سلباً على فعالية هذه المنظمات فتحد من نشاطها وحريتها، وتضع قيوداً على إدارتها. وتضعف قدرتها على استقطاب الخبرات والمهارات وتبادلها، ولعل قضية التمويل تبرز باعتبارها الحلقة الأضعف في مسيرة هذه المنظمات.

ومن البديهي أن يشكل العصب الأساسي لتفعيل المؤسسة وتطوير أدائها واستمراريتها، إلا أنه وفي ظل غياب الشراكة الفعلية بين بعض الحكومات والمنظمات الأهلية، وعدم تقديم التسهيلات من قبل العديد من الحكومات لهذه المنظمات، وفي ظل غياب القوانين التي تنظم عملية التمويل، ومع دخول البعد الدولي من خلال عباءة العولمة والهيمنة والاستقطاب على خط المنظمات غير الحكومية، وجدت منظمات عديدة نفسها أمام حالة تضطرها للجوء إلى التمويل الخارجي، مما وضعها أمام إشكاليات معقدة .

لقد أصبح التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية يشكل قضية بالغة الحساسية لما يحمله من تأويلات وتوجيه أصابع الاتهام، ومما لا شك فيه أن المال الأجنبي يحمل معه برنامجاً سياسياً أو ثقافياً أو اجتماعياً، ويراد منه تنفيذ سياسات تخدم مصالح تلك الدول أو الشركات أو الأحزاب في الهيمنة والسيطرة وابتزاز الدول والمنظمات المتلقية للمال، فللممولين مصالح وأهداف سياسية يريدون تحقيقها، وهم لا يوزعون المال طاعة واحتساباً لوجه الله الكريم!

كما يربتط التمويل الأجنبي بأولويات الجهة المانحة، وغالباً ما يكون محدداً بمجالات وقضايا معينة دون غيرها، وقد لوحظ أن غالبية القضايا التي تحظى بالمال الأجنبي قضايا متغيرة وقصيرة المدى، وقد تكون بعيدة كل البعد عن أولويات المجتمعات المستهدفة وحاجاتها، مما يفقد الجهة المستقبلة لهذا المال حيادها واستقلاليتها، ويضطرها لتغيير أولوياتها بما يتوافق مع شروط الجهة المانحة، في حين أن مشاريع التنمية الحقيقية تتطلب نفساً طويلاً واستمرارية، وتحتاج إلى فترة زمنية طويلة نسبياً قبل أن تؤتي نتائجها المرجوة.

إن التغير المستمر في الأهداف والمشاريع وإشغال المنظمة بنشاطات قصيرة المدى وبنشاطات ومشاريع شكلانية لا تلامس القضايا الحقيقية للمجتمعات المستهدفة تشكل عائقا للتنمية الحقيقية فضلاً عن ما تفرضه من هدر للموارد البشرية والمادية والمالية، ناهيك عن ما تتسبب فيه من ارتهان وتبعية أفقدا المنظمات المتلقية للتمويل الكثير من ثقة الجماهير المستهدفة، فأخذت تنفض عن هذه المنظمات تدريجياً وتغادرها وهي تحمل الكثير من المرارة والسخرية.

إن هذا النزيف المستمر في الكوادر التطوعية من أعضاء الجمعيات جعلها تتحول إلى هياكل شكلانية تعتمد في بقائها على كوادر وظيفية ضعيفة التأهيل والخبرة، وأصبح ينظر إلى قياداتها على أنهم فئة منسلخة عن قضايا مجتمعهم ويعملون كأحصنة طروادة للجهات المانحة دولاً وشركات وأحزاب.

أما عن التحديات التي تواجه المنظمات غير الحكومية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، فلربما كان أقساها تداعيات ما يسمى بـ «الحرب على الإرهاب»، فكثير من الحكومات أخذت تنظر إلى العديد من المنظمات المستقلة عن مصادر التمويل الأجنبي (المشروطة والمقيدة) باعتبارها تهديدا لسلطتها، فضلا عن أن أصحاب السلطة في كثير من الدول لا يرحبون بهذا النمط من المنظمات غير الحكومية باعتبارها قوة تغيير وإصلاح سلمية، فتوترت العلاقة بين هذه المنظمات وكثير من الحكومات.

وعملت الحكومات بدورها على تقييد نشاطاتها والتضييق على مصادر تمويلها (وهذه في معظمها مصادر عربية وإسلامية)، لقد طورت الحكومات أدوات جديدة لتدمير الظاهرة وقمعها وإسكاتها، وابتدعت القوانين والتشريعات المقيدة، وفرضت الضرائب.

وشددت في معايير الترخيص وجعلت تكاليف ترخيص أي مؤسسة تبدو مرهقة للغاية، ناهيك عن إغلاق العديد منها ومصادرة أموالها !! بل وصل الحد في تبرير القمع المنهجي لهذه المؤسسات حد اتهام أعضائها وقياداتها بالإرهاب من جهة، أو بالخيانة والعمالة والاستقواء بالأجنبي من جهة أخرى!

وعلى الرغم من أن كافة التشريعات العربية الناظمة لعمل الجمعيات الأهلية تحرم على الاتصال بالخارج (الأجنبي تحديداً) وتلقي التمويل منه؛ فإن التعاطي مع هذه المنظمات يشهد تعدداً في المعايير، فمنها من تفتح له أبواب الاتصال بالأجنبي وتلقي التمويل الخارجي والالتزام التفاخري بأجندات مصادر التمويل دونما رقيب أو حسيب، ومنها من يعاقب على عكس ذلك (أي التزامه بالقانون والنظام).

في ضوء ما تقدم من نقاط ضعف وتحديات وإشكاليات، وتحقيقاً لغايات المشاركة المجتمعية، وبناء جسور الثقة والتفاهم بين كافة الأطراف المعنية بالتنمية، فإن وضوح الرؤية ووضوح الاستراتيجيات هي عوامل بالغة الأهمية لاستمرار المنظمات الأهلية، بل إنها من أهم تحديات البناء المؤسسي والحكم السليم، لقد بات واضحاً مدى الارتباط الوثيق بين التنمية والمشاركة والتحول الديمقراطي ومقومات الحكم السليم وسيادة القانون من جهة، وما بين البناء المؤسسي من جهة أخرى.

ولتجاوز نقاط الضعف ومواجهة التحديات وحل الإشكاليات هناك جملة من الاستراتيجيات الواجب اتباعها منها: التعبئة والتأثير، وبناء وتطوير الوعي المجتمعي، والاستمرار في تقديم الخدمات الطارئة والتنموية، والتطوير المؤسسي والتنظيمي وتنمية الموارد البشرية، واستراتيجية التشبيك والتنسيق والتعاون والتشاور!

إن شرعية المنظمات الأهلية واستمراريتها يرتبط إلى حد بعيد بجذورها المحلية وبمرجعياتها الجماهيرية وبكافة الأطراف المؤثرة، كما أن الحفاظ على استقلالية تلك المنظمات، وتمكينها من الاستجابة لمصالح مجتمعاتها الحقيقية يرتبط كذلك بشرعية مصادر التمويل وتنوعها، وعليه لا بد من إعطاء الأولوية لتنمية مصادر التمويل من إمكانيات المجتمعات المحلية عبر اجتذاب دعم القطاع الخاص .

وتفعيل المصادر التقليدية للتمويل كالزكاة والصدقات والأوقاف والتبرعات المختلفة، لقد برهنت التطورات المعاصرة على الصعيدين العالمي والعربي على أهمية المنظمات الأهلية كآلية لتحقيق ديمقراطية المشاركة وتعبئة المواطنين في المجالات المختلفة وتأكيد الحقوق والدفاع عنها، وتنظيم القدرات الذاتية في سبيل إنجاز تنمية اجتماعية واقتصادية وسياسية حقيقية تستند إلى آمال الناس واحتياجاتهم وأحلامهم ورؤاهم، وبالنتيجة فإن فعالية الجمعيات تنعكس بالضرورة على تقدم المجتمع وصيرورته.

برلماني وخبير قانوني أردني

obeidatrj@hotmail.com