ثلاث قضايا طفت على السطح خلال الاربع والعشرين ساعة الماضية الاولى نفي اسرائيل رسميا امس ما اعلنه وزير الاعلام الفلسطيني د. رياض المالكي امس من انها اوقفت ملاحقة 110 مطلوبين وسلمت قائمة للسلطة الوطنية باسمائهم، وتأكيد اسرائيل ان حكومتها لم تضع اي لائحة ولم توافق عليها.
والقضية الثانية هي الظلام الدامس الذي يعيشه قطاع غزة بعد توقف محطة الكهرباء الرئيسية عن العمل بسبب نفاد الوقود وعدم قيام اسرائيل بتزويد الجانب الفلسطيني بالوقود اللازم.
هاتان القضيتان انضمت لهما امس قضية اخرى تكشف مدى ما يتعرض له الفلسطينيون على الحواجز العسكرية الاسرائيلية من تنكيل واهانة بعد ان تم كشف شريط فيديو يظهر مجندة وجنديا اسرائيليين ينكلان باطفال فلسطينيين على حاجز عسكري قرب قلقيلية.
هذه القضايا الثلاث تبدو للوهلة الاولى ان لا علاقة فيما بينها الا انها في الحقيقة مترابطة وتكشف من جهة عن الهوة بين الواقع الجاري على الارض وبين كل ما يقال عن جهود السلام من جهة كما انها تكشف حقيقة الموقف الاسرائيلي ازاء الجانب الفلسطيني مما يبعث بمؤشرات سيئة في الوقت الذي يتوقع فيه الجميع من اسرائيل القيام بخطوات لتحسين الاجواء وتمهيد الطريق لبناء الثقة والتوجه الى المؤتمر الدولي للسلام في تشرين اول المقبل.
وفي الحقيقة ان القضايا الثلاث المذكورة تقف في صلب الخطوات التي يفترض باسرائيل القيام بها الا انها تقوم بالعكس تماما، فبدلا من تخفيف وازالة الحواجز العسكرية نرى ان لا شيء يحدث من هذا القبيل بل ان الجنود على هذه الحواجز يواصلون نفس الممارسات المهينة والتي تسبب مزيدا من المعاناة للفلسطينيين.
وبدل ان تشجع اسرائيل الخطوات التي تقوم بها الحكومة الفلسطينية برئاسة الدكتور سلام فياض لانهاء الفوضى وضبط الاوضاع الامنية نرى انها تستمر في فرض الحصار وتحاول احباط جهود الحكومة لاستيعاب المطاردين في صفوف الاجهزة الفلسطينية، كما انها تشدد الحصار على قطاع غزة ا لى درجة حرمان المواطن العادي من الكهرباء وغير ذلك من المواد والخدمات الضرورية.
والسؤال الذي يطرح هنا: ما هو ذنب المواطن في قطاع غزة حتى يتعرض لكل هذه الضغوط والمعاناة؟!
لقد استبشر الجميع خيرا قبل ايام عندما دار الحديث عن جهود حثيثة يبذلها الجانبان الفلسطيني والاسرائيلي للتوصل الى اتفاق مبادىء تمهيدا للمؤتمر الدولي كما استبشرنا خيرا بالدور الفاعل والنشط الذي تقوم به عدد من الدول العربية وفي مقدمتها السعودية لدفع جهود السلام.
فهل الابقاء على الحواجز وتشديد الحصار والاصرار على ملاحقة المطاردين هو الرد الاسرائيلي المفترض على اليد الفلسطينية والعربية الممدودة للسلام؟! وهل تثبت اسرائيل بمثل هذه المواقف للمواطن العادي ان طريق السلام والتفاوض هو الامثل لوقف معاناته المتواصلة؟!
من الواضح ان ما يجري على الارض من ممارسات اسرائيلية يتناقض تماما مع الحديث عن السلام ومع الاجواء المفترضة تمهيدا لعقد المؤتمر الدولي وكلما اتسعت الهوة بين ما يجري على الارض وبين التصريحات والنوايا الخاصة بعملية السلام كلما اصبح الوضع اكثر تعقيدا وكلما تضاءلت الامال بقرب الانفراج.
ولهذا واذا كانت اسرائيل معنية فعلا بنجاح جهود السلام فأن عليها المبادرة الى خطوات كثيرة اهمها رفع الحصار وعدم تعرض المواطنين في غزة الى مزيد من المعاناة ورفع الحواجز وعدم عرقلة جهود الحكومة الفلسطينية لضبط الاوضاع الامنية، اضافة الى اطلاق سراح المزيد من الاسرى.
وكل هذا يشكل في حال تنفيذه خطوات صغيرة الا انها تبعث بمؤشر ايجابي للجانب الفلسطيني وتعزز فعلا جهود السلام، ويبقى الاهم هو استعداد اسرائيل لصنع السلام والقبول بدفع استحقاقات هذا السلام بما في ذلك الاقرار بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وانهاء الاحتلال.