في شهر أكتوبر عام 2003 استقبل معجم الفكر الاقتصادي في العالم مصطلحاً جديداً صاغه فريق ساكس المتخصص في أميركا برصد التطورات الاقتصادية المستجدة في إطار ظاهرة العولمة.. والمصطلح بات معروفا في أدبيات الاقتصاد على النحو التالي:
«بريكس» هذا هو الاسم المختصر، على الطريقة الأميركية، لمجموعة تضم من شرق العالم وغربه 4 بلدان اختارها المحللون الاقتصاديون لكي يراهنوا على تطور مستقبلها الاقتصادي ومن ثم سرعة نموها بصورة دينامية إلى حد أن يتاح لمجموعة «بريكس» هذه أن تنافس يوما ـ إلى حد المزاحمة ـ مجموعة الثمانية الشهيرة وهي الدول الصناعية المتقدمة الكبرى في العالم التي تتصدرها أميركا وتلتحق بها اليابان فضلا عن الدول الكبرى في منطقة غرب أوروبا. «بريكس» اختصار يجسد كلاً من البرازيل وروسيا والهند والصين.
ويراهن المحللون الاقتصاديون على أن هذه الدول سوف تحثّ خطاها إلى حيث مزيد من التقدم المرموق وارتفاع مستويات المعيشة والاستخدام الأمثل للإمكانات الطبيعية - المادية والموارد من المهارات والقدرات البشرية.. لكن شريطة أن يتوافر لها قيادة سياسية مقتدرة على إدارة الشأن الاقتصادي وفق أسس رشيدة مما يمكن أن يوصلها إلى حيث تؤثر بعمق في موازين القوى الاقتصادية على مستوى العالم مع حلول عام 2040.
ورغم أن البرازيل استرعت أنظار العالم في الآونة الأخيرة، ولكن من زاوية سلبية، بعد كارثة طائرتها التي أثبتت مدى القصور في استعدادات مطاراتها الدولية ـ إلا أن هذه السلبيات لم تحل بين مراقبي الشأن البرازيلي وبين أن يحمدوا لقيادة رئيسها أناسيو لولا دي سيلفا قدرته على إدارة دفة الأمور بصورة أكثر من متوازنة، بمعنى أنها تجمع بين تحقيق وعوده «اليسارية» من إنصاف الفئات الفقيرة في بلاده وبين استمرار انفتاح السوق الاقتصادية.. على الطريقة الرأسمالية هناك، سواء بفعل تشجيع القطاع الخاص أو بفعل الترحيب الموضوعي بالاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة عبر الحدود.
ومنذ انتخاب الرئيس «دي سيلفا» في عام 2002 أنجزت «ريو» سداد كل ديونها المستحقة واستطاع الاقتصاد البرازيلي إيجاد 405 مليون فرصة عمل مما أفضى إلى قدر مشهود من الإنجاز الاجتماعي وتحقق بعد ذلك فائض مالي يبلغ كما يقدر الخبراء (الأستاذ إيان بريمر رئيس مجموعة أوراسيا وهو مفكر اقتصادي مرموق) ما يصل إلى 40 مليار دولار سنويا. ويبدو أن القيادة البرازيلية وقد جاءت في الأصل من مواقع اليسار العمالي ـ استطاعت بذكاء أن تكسب الولايات المتحدة إلى صفها وأن تفيد اقتصاديا من هذا الإنجاز.
ـ حيث ترجع هذه الإدارة الذكية للعلاقات بين برازيليا وواشنطن إلى قدرة الطرف اللاتيني على التلويح بأنه لن يسير بالضرورة على نهج شافيز في فنزويلا من العداء الشديد والمعلن إلى درجة التحدي مع الولايات المتحدة وذلك دون أن يخسر الطرف البرازيلي بالضرورة علاقاته مع الزعامة المتحمسة القابعة في كاركاس بكل ما استطاعت تعبئته من تأييد القوى الشعبية في طول أميركا اللاتينية وعرضها وكأنما تجدد دور فيديل كاسترو خلال عقود الستينات ـ التسعينات من القرن الماضي.
عن الصين وهي الطرف أو العنصر الثاني في مجموعة «بريكس» الصناعية يرصد المحللون ما أصبح بديهيا من سخونة واندفاعة النمو إلى درجة ـ محمومة أحيانا ـ للاقتصاد الصيني لكنهم يرصدون مشاكل تواجهها بيجين في هذه المرحلة.. بعضها مرتبط بعنصر السلبيات مثل الفساد السلوكي وبعضها يرتبط بعنصر الموارد الطبيعية مثل احتياج آلة الإنتاج والتصنيع العملاقة في الصين إلى مقادير متزايدة من الطاقة ـ البترول والغاز الطبيعي بالذات، وبعضها يرتبط بمشاكل.. النجاح كما قد نسميها.. وقد جسدتها مثلا ظاهرة الهجرات النازحة من أرياف الصين إلى المراكز الحضرية التي أصبحت أقطابا جاذبة للعمل الصناعي الحديث..
ثم ظاهرة نشوء طبقات نالت أجورا أفضل ولو نسبيا - وباتت تتطلع إلى أسلوب معيشي أكثر يسراً وربما رفاهية ـ نسبية أيضا، فكان أن تغيرت أنماط الاستهلاك بالنسبة لملايين من سكان الصين من معيشة الأرياف والمناطق النائية البسيطة إلى معيشة المدن والحواضر التي تستهلك وقود السيارات والمكيفات والآلات على اختلاف أنواعها.. وبأحجام تشبع احتياجات الملايين من البشر.. مما أفضى إلى تلوث جسيم.. فادح أحيانا في البيئة وهو ما تحاول القيادة الصينية حاليا معالجته تمهيدا لاستقبال دورة الأولمبياد العام المقبل في العاصمة بيجين..
هذا فضلا عن محاولة الصين أيضا ممارسة ما أصبح يعرف مؤخرا بأنه «تحجيم الضرر أو احتواء المشاكل» الناجمة عن أنشطة الدعاية المضادة المحمومة في أميركا وأوروبا ضد المنتوجات الصينية التي ارتبط استخدامها بأضرار تمس الصحة أو السلامة البشرية ابتداء من معجون الأسنان وليس انتهاء بدمى الأطفال. وبلغ من أمر الإجراءات الصينية في هذا الخصوص معاقبة الموظف الكبير المسؤول في بيجين عن مراقبة الجودة للسلع للصادرات السلعية، لا بالفصل ولا بالعزل ولا بالسجن ولكن بالإعدام.
عن الهند يحمد المحللون استمرار الممارسة الديمقراطية رغم كل ما تعانيه البلاد، من مشاكل أصبح في مقدمتها مؤخرا كوارث الفيضانات الطبيعية وتشريد ومعاناة الآلاف من السكان في بقاع شتى من شبه القارة الهندية.. ويسجلون بإعجاب حقيقة أن أصبحت الهند تستأثر تقريبا بنحو ثلثي أنشطة تكنولوجيا المعلومات التي تستخدم الحواسيب الإلكترونية على مستوى العالم كله بحيث يتوقعون أن يتضاعف هذا الإنجاز 4 مرات ليصل في مدى السنوات الخمس القادمة إلى 60 مليار دولار. مع ذلك يتوقع الدارسون للشأن الهندي بالذات أن تواجه نيودلهي أمرين في المستقبل القريب:
الأول نقص في العمالة الهندية الماهرة بعد أن امتصت الخدمات الدولية لتكنولوجيا المعلومات - ولصالح أميركا بالذات - معظم المهارات الهندية - الشابة بالذات، هذا في حين أن النظام التعليمي ما برح قاصرا من حيث القدرة ومستوى الكفاءة عن التعويض بأعداد كبيرة من هذه القوى العاملة الماهرة، التي سوف تصبح الحاجة إليها ماسة ومتزايدة أيضا لسد متطلبات قطاع الخدمات داخل الهند ذاتها.
الثاني أن تظل الهند في حال من المنافسة، لا مع دول الغرب بل مع الصين بالدرجة الأولى وهو تنافُس قد يصيب حركة الاقتصاد الهندي المنتعش بقدر غير مستحب طبعا من الإجهاد. روسيا هي آخر قائمة بلدان «بريكس» الواعدة كما يتصور محللو الشأن الاقتصادي الدولي.
روسيا ما زالت تتطلع إلى استعادة دورها الذي كان فاعلا إلى حد الاستقطاب في الساحة الدولية. ومنذ جاء الرئيس بوتين إلى الرئاسة الأولى في موسكو عام 2000 وهو يحاول استثمار إمكانات روسيا التي قد تتميز بها حتى على سائر رفاقها في مجموعة بريكس التي عرضنا لها فيما سبق من سطور.. يكفي أنها تمتلك الموارد الطبيعية الأساسية من الطاقة..
وفي مقدمتها بالطبع البترول والغاز الطبيعي. ولكن الأهم ـ في رأينا ـ أن روسيا ما زالت تتمتع بقوى عاملة وكوادر تقنية عند مستويات رفيعة من المهارات والتدريب.. والأهم أن عادت إلى النمو في روسيا طبقة متوسطة لم يكن لها حظ وافر أو عادل خلال الحقبة الشيوعية التي جمعت بين نقيضين هما بيروقراطية الحزب عند أعلى الهرم الاجتماعي وطبقة عمال الصناعة - البروليتاريا عند قاعدة الهرم.
بيد أن متابعي الشأن الروسي يرون أن هذا السعي من جانب بوتين أو خلفائه إلى استعادة مكانة دولية فعالة لروسيا وخاصة في مناطق نفوذها السوفييتية السابقة، قد يستوعب الكثير من إمكاناتها ومواردها مما قد يؤدي إلى إبطاء مسيرتها الاقتصادية، عن سائر أركان جماعة البريكس المذكورة أعلاه.
ثم هناك من ينعى على روسيا اعتمادها الشديد مؤخرا على عوائد النفط والغاز التي ارتفعت إيراداتها ولا تزال بفضل زيادة أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.. في هذه النقطة يوجه المحللون الأميركيون بالذات انتقادات إلى موسكو مؤداها أن هذا الاعتماد على الطاقة يؤدي إلى عدم تنويع أنشطة الاقتصاد ويجعل النظام الاقتصادي عرضة لتقلبات أسعارها في أسواق العالم.
وقد نرى في هذا النقد وجاهة ورأياً معقولاً ولكننا نلمح بين طياته نوعاً من الغيرة وربما الحسد إزاء خصم تصوروه بعد جورباتشوف وقد أصيب بالضربة القاضية، ولكن ها هو يعمل جاهداً على استعادة دوره أو مكانته، لا بمجرد الدعاية ولا باجترار أمجاد ماضي الحرب العالمية أو الحرب الباردة بل هي محاولات تستند إلى الكفاءات البشرية المدربة وتعّول كثيراً على الموارد الطبيعية وخاصة البترول والغاز.. وهما موردان تحظى بهم روسيا دون معظم الدول الصناعية - المتقدمة (انجلترا.. فرنسا.. اليابان على سبيل المثال). ولعل هذا هو مكمن الغيرة أو سبب التحاسد أو الاثنين معا.
كاتب مصري