عرفتها شابة مفعمة بالحيوية تفيض جمالاً وذكاء.. رقة وعذوبة، مثل غيرها ممن هن من جيلها وفي سنها تحيا حياتهن، تحلم بغد أفضل كانت تنوي الالتحاق بالجامعة فتدرس الإعلام لأنها تحب أن تكون صحافية، هكذا كانت تردد لوالدتها التي هي بالمناسبة تعمل في إحدى الصحف بالدولة.
هي عائلة فلسطينية اتخذت مثل الآلاف غيرها بلادنا موطنا لها، تعيش بيننا بعزة وكرامة، يعمل أفرادها مثل سائر الناس بسلام فقدوه في وطنهم فوجدوه عندنا، يدرس الصغار في مدارس الدولة، وفي الصيف يجتمعون في عمان بالأردن حيث يلتقون هناك في بيت العائلة، سافر الجميع وبقيت نوال مع والدتها وشقيقها الصغير، لا سفر هذا الصيف .. لا شيء في ذلك، فالإمارات جميلة في كل الأوقات، سنبقى هنا وسنستمتع بما حباها الله، هكذا رددوا فيما بينهم.
سارت الأمور على ما يرام، حتى يوم الجمعة 20 من يوليو الفائت، حيث أخبرت نوال والدتها بزيارة صديقاتها لها، أهلا وسهلا، رن الهاتف، الصديقات على مقربة من البناية التي فيها شقتهم لكنهن تهن في الوصول إليها، نزلت إليهن، بعد 15 دقيقة يرن هاتف المنزل، على الطرف الآخر الصديقة تسأل «أين نانا يا خالتو، هينا بنتظر تحت «ترد الأم» نانا صار لها ربع ساعة نازلة»، تغلق لتتلقى الأم مكالمة ثانية من الصديقة تخبرها أنها عاودت الاتصال على موبايل نوال ورد عليها رجل أخبرها أن صاحبة الموبايل دهستها سيارة وهو في طريقه إلى مستشفى الكويت.
لكم أن تتصوروا وضع الأم وكيف وصلت إلى المستشفى، لو سألتها لما عرفت الإجابة لأنه بحق موقف صعب، المهم تلقت نوال العلاج اللازم في مستشفى الكويت حيث أدخلت العناية المركزة نتيجة إصابات داخلية في الكبد والصدر والبطن، خرجت منها سليمة وتعافت إلا الرأس، ثم نقلت إلى مستشفى القاسمي، وهناك أيضا تفانى الطاقم الطبي لإنقاذها وخرجت من المستشفى بعد ذلك، إذ أخبروها أنها بحاجة للوقت كي تعود كما كانت.
الأم مسلمة لقضاء الله وقدره ولا تسمع منها سوى الحمد لله قدر ولطف، ونعم بالله، ولكن ماذا عن الحادث ومن دهس نوال، هنا يأتيك العجب، فالحادث وقع على شارع الملك فيصل بالشارقة على بعد خطوات من سكنها، يقول الشهود وهم من كانوا خلف السيارة التي صدمت نوال وهي أجرة تتبع شركة مواصلات بالشارقة وأدلوا بلونها وطرازها: صدمت الفتاة ومن الخلف تعرضت لاصطدام من السيارة الأخرى والتي بدورها صدمتها سيارة أجرة كانت خلفها، وفي لحظة انشغال هؤلاء بالاصطدام تمكن سائق سيارة الأجرة من الهرب.
بقيت المدهوسة على الطريق وحولها تجمهر الناس، فما كان من عائلة سورية شاهدت الشابة في حالة شبه إغماء، إلا أن حملها ربها على مسؤوليته الخاصة وأوصلها إلى المستشفى، مرت الأيام وأي سؤال توجهه الأسرة للشرطة حول الجاني، يأتيهم الرد: لم نتمكن من القبض عليه، وقبل أيام صعقتهم شرطة الشارقة بخبر «قيد الحادث ضد مجهول»!
هكذا بكل بساطة، وإليكم حال نوال بعد الحادث (وأستميح العائلة الصديقة عذراً بشرح حال ابنتهم ولكن لا بد من ذلك) نوال كما رأيتها محطمة، لا تعي شيئا من حولها، تتمتم بكلمات غير مفهومة، لا تتحمل الجلوس ولو لثانية، تقضي وقتها كله تمر في أرجاء الشقة من غرفة لغرفة يسندها أحدهم ويساعدها على الوقوف ويمشي معها طوال الوقت، عيناها محدقتان ترمقان اتجاها واحدا طوال الوقت، أمها التي رأتها شبه ميتة، ومرت بما هو أصعب مما هي عليه الآن تراها تتحسن، فبعد أن كانت أطرافها مشلولة ولا تستطيع تحريكها أصبحت أفضل كثيرا، لكن من يراها لأول مرة بعد الحادث يأسى ولا يستطيع أن يغالب دموعه.
السؤال نوجهه إلى السلطات، هل يغمض للمسؤولين جفن من الكبير وحتى الصغير وهناك مجرم حر طليق هارب؟ وهل يعقل أن الشرطة بكل إمكانياتها وقد تم تحديد نوع السيارة ولونها والجهة التي تتبعها في الشارقة لم تتمكن من الوصول إلى الجاني؟ والله عيب، وحرام ما يصير بحق الناس من إهمال وتقصير وضياع حقوق البسطاء من الناس.
نتمنى من وزارة الداخلية أن تأمر بفتح ملف القضية والبحث عن الجاني الذي لا شك أن الوصول إليه ليس بمستحيل.