التفكير في الحاضر والتخطيط للمستقبل لا يكادان ينفصلان، وكم من حاضر أهدر المستقبل أو حكم عليه بالإعدام قبل أن يولد، ومن يحاول قراءة رؤية العالم العربي لمستقبله يجد مفارقة عجيبة، ذلك أن «أدبيات التمني» في الثقافة العربية مزدهرة أيما ازدهار وإن نافستها في الازدهار بكائيات مريرة على تخلفنا الشامل، وبين النقيضين اللذين يتسمان بالتطرف الشديد نعاني فقرا شديدا في الأفكار .
رغم أن القرنين الماضيين كانا دون شك العصر الذهبي لصعود قيمة الأفكار ودورها في تحريك التاريخ، بل إنها قد أزاحت وإلى الأبد دور عوامل مثل: القوة والإرادة والموارد الطبيعية والثقل السكاني في تحديد شكل المستقبل. وغياب الأفكار في العالم العربي مقرون بعامل أخطر وأكثر تأثيرا هو غياب مؤسسات صناعة الأفكار.
ما نقصده بغياب الأفكار ليس الغياب التام بل غياب الأفكار الكبيرة المحركة، فالفكرتان الكبيرتان اللتان حركتا التاريخ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين (الرأسمالية والاشتراكية) نشأتا في الغرب، والأفكار الأكثر أهمية في الاجتماع الإنساني كذلك نشأت في هذا المحيط الجغرافي،
والأمر نفسه ينطبق على الأفكار الكبيرة في مجالات الإدارة والقانون الدولي والتنظيم التكنولوجي وأشهرها «خط التجميع» الذي غير تاريخ الصناعة في العالم على نحو جذري. بل لم تشهد ثقافتنا ظهور أفكار ذات بال في مجال الفكر العسكري،
فرغم الصعود المشهود لروح العسكرة في العالم العربي، لم يظهر لدينا مفكر يمكن إدراجه في طابور طويل من صناع تاريخ الفكر العسكري من الصيني صن تزو إلى الألماني كلاوزفيتز.
ومن أسباب غياب الأفكار الكبيرة في العالم العربي التغييب المتعمد لـ «صناع الأفكار»، وفي اليابان تحت الحكم الفاشي كانت العلاقة بين السياسيين وأصحاب الفكر متوترة حتى صارت علاقة عداء فتمتعت جماعة السياسيين بالسلطة ومزاياها بينما ظل مستواهم الثقافي متدنيا.
وكانت كراهية السلطة من جانب المفكرين مضافة إلى افتقارهم للاستقلال في مواردهم المادية سببا لمنعهم من المشاركة في الحياة السياسية فأصبح دورهم محدودا في تثقيف الناس ورسم السياسات وبلغ ضعفهم حد تلقيبهم بألقاب منها: «المفكرون الضعفاء»، «المتملقون الأذلاء» وبسبب ضعفهم لم يستطيعوا كبح جماح العسكريين اليابانيين حتى وصلت اليابان للكارثة.
ومن أسباب غياب الأفكار الكبيرة أيضا الخلط بين مفهومي «القيم» و«الأفكار» فما أرساه الإسلام من قيم في ثقافتنا تتصل بالاجتماع الإنساني وتضع له معايير جعل البعض يعتقد أن إعمال هذه القيم وحده يصنع التقدم والنهضة ما جعل الكثير من المثقفين لا يشغلون أنفسهم أساسا بالأفكار،
وقد كانت هذه القيم موجودة ومحل احترام تام عندما قرر الخليفة عمر بن الخطاب أن ينقل فكرة الدواوين عن الدولتين الرومانية والفارسية وهي الفكرة التي كانت منعطفا تاريخيا في تاريخ الدولة الإسلامية. فالإجابات التي قدمها الإسلام هي في مجال المعايير والأهداف وليس الوسائل.
وقد توقفت أمام هذه الظاهرة وأنا أطالع قصة يرويها الناشط اليساري أحمد بهاء الدين شعبان (أحد قيادات حركة كفاية المصرية المعارضة) في كتابه المتميز: «الدور الوظيفي للعلم والتكنولوجيا في تكوين وتطوير الدولة الصهيونية»
يحكي قصة صراع احتدم بين وجهتي نظر في الكيان الصهيوني عند تأسيس الجامعة العبرية: وجهة نظر تبناها الزعيم «الثوري» جابوتنسكي ترى ضرورة أن تكون جامعة للتعليم لا للأبحاث وأن يلتحق بها الطلاب بأعداد ضخمة لتعويض «الشعب اليهودي» عن سنوات الحرمان أما وجهة النظر الأخرى وتزعمها وايزمان
فكانت ترى أن تكون الجامعة «نخبوية» بالمعنى العلمي، لا الطبقي تركز في البحث العلمي على الكيف، ويقول المهندس بهاء شعبان حرفيا بعد سرد الواقعة: «وقد كان لانتصار آراء وايزمان العامل الحاسم في صياغة توجهات النظام الأكاديمي الإسرائيلي منذ ذلك الزمان حتى الآن».
تجربة «العدو» إذن تشير إلى أن السياسات الثورية، كانت فخا ومأساتنا الممتدة منذ أكثر من نصف قرن حتى الآن تؤكد ذلك، ورغم ذلك يتطوع البعض باسم الوطنية بإضفاء القداسة على هذه السياسات في التعليم والسياسة والاقتصاد.
إن تحول مؤسسات التعليم في كثير من الدول العربية من أن تكون مصانع للأفكار إلى «مدارس عليا» تخرج الآلاف من الخريجين ذوي العقليات النمطية العاجزة عن التفكير النقدي والإبداع خطيئة قادت إليها قناعتنا بأن كل الأجوبة محددة سلفا وما علينا سوى العمل بشكل نمطي وسيحدث التقدم بشكل آلي.
ولعبت الأيديولوجيات دورا سلبيا كبيرا في ما وصلنا إليه، فالأيديولوجيا نسق فكري مغلق فيه تصور مسبق للأهداف والوسائل معا وشيوعها كمنظور لرؤية الذات والعالم أشاع حولنا مناخا كئيبا يخاف من التغيير،
فالتغيير يمكن أن يكون محاولة لـ «الاختراق» وهذا الهاجس الأمني ظل يتصاعد حتى خنق كل شيء واختنقت معه مفاهيم «المنافسة»، و«الابتكار»، وما شابهها من المفاهيم التي بني عليها عالم الأفكار في التجارب المماثلة.
ومع غياب الشروط الموضوعية لازدهار دور الأفكار في الواقع غابت مؤسسات صناعة الأفكار وكان غيابها جزءا من عملية تحييد المجتمع المدني كله: الأحزاب، الجمعيات، الأوقاف، وتقليم أظافره بشكل قاسٍ كجزء من مناخ شمولي عم العالم العربي عقب خروج الاستعمار ونشوء الدولة الوطنية،
والآن بعد نصف قرن فإن من خرجوا من دمار الحرب العالمية الثانية وكان شاملا استطاعوا أن يربحوا المنافسة مع أمم خرجت في التوقيت نفسه تقريبا من آثار الاستعمار وكان تأثيره جزئيا، والرابحون كانوا مسلحين بـ «الأفكار» والخاسرون كانوا مسلحين بـ «الإرادة».
وكل مسعى لدخول العالم العربي عالم إنتاج الأفكار سيظل عبثا ما لم يكن هناك معامل لاختبار جدوى الأفكار أو صحتها أو معقوليتها أو مدى إمكان تنفيذها عمليا، والاختبار يقصد به المناخ التنافسي الذي يجعل الفكرة - أي فكرة - قابلة للاختبار،
وفي غياب التنافسية الشاملة كاختيار استراتيجي ستظل الأفكار مجرد «ديكور» نجمل به قبيحا أو نخفي به عورة أو نستكمل به مظهر الدولة الحديثة، لكن المستقبل يزداد ضراوة والأفكار تحتل بشكل متصاعد مساحة تأثير أكبر ودورا أهم وثروتنا، منها قليلة بشكل مدهش.
لكن ما يثير الدهشة أكثر أن مثقفينا وقادة الرأي في أمتنا ما زالوا يبددون طاقاتهم في إحصاء كل برميل نفط وكل قدم من الغاز وكل جرام من الموارد المعدنية ولكنهم في الوقت نفسه لا يكادون يلقون بالا للموارد الفكرية، رغم أنها غيرت العالم كله فضلا عن تأثيراتها في الاجتماع الإنساني على المستويين الفردي والمجتمعي على السواء.
كاتب مصري