أن تخطئ في حق فرد، فهذا أمر يمكن تداركه بالاعتذار، وأن تصيب جماعة صغيرة بسوء فهذه مشكلة يكن علاجها بالتعويض، ولكن أن تتسبب في اضمحلال دولة وتفككها وتشريد أبنائها وتخلفها عن الركب مئات السنين، فهذه جريمة كبرى لا يجدي معها نفعا الاعتراف المتأخر بها. فقد حلت الأمم المتحدة رسميا اللجنة الخاصة بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل بالعراق (اليونموفيك) والتي بدأت عملها في نوفمبر عام 2002 قبل أن يتم سحبها عشية الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

قرار حل اللجنة جاء بطلب من وزيرتي خارجية الولايات المتحدة الأميركية كوندوليزا رايس وبريطانيا السابقة مارغريت بيكيت واللتين أكدتا في رسالة مشتركة إلى رئيس مجلس الأمن قناعة حكومتيهما بأن العراق أثبت أنه ينصاع حاليا لجميع التزاماته المنصوص عليها بالقرارات الدولية ذات الصلة بنزع السلاح المحظور.

وإذا كانت اللجنة المذكورة قد برأت ذمتها وأكدت في تقريرها الأخير عدم وجود أي دليل يثبت سعي الرئيس العراقي السابق صدام حسين لتطوير أسلحة دمار شامل «وهي الذريعة الرئيسية التي ساقتها واشنطن ولندن لتبرير غزو قواتهما للعراق» فان السؤال الأهم الآن هو:

ماذا بعد إسقاط هذه الذريعة وكذب ادعاءات الاستخبارات الأميركية والبريطانية؟ ومن يدفع فاتورة هذه الجريمة، ومن يعيد للعراق سيادته، ولشعبه الذي تشرد أمنه، ولأرضه التي قسمت وحدتها، ولاقتصاده الذي دمر عافيته؟ من يدفع فاتورة الشهداء الذين سقطوا، بسبب الغزو أو الاقتتال الداخلي؟

واشنطن حاولت على استحياء من جانبها تبرير غزوها للعراق، حيث قال سفيرها بالأمم المتحدة خليل زادة إن الإدارة الأميركية بالغت في تقدير قدرات أسلحة العراق قبل الغزو، وأضاف زادة (أن الأحداث التي أفضت إلى تحرير العراق وما بعد ذلك كان هناك خطأ، تقديرات وتوقعات غير صائبة، ومبال في تقدير ما هو قائم) هكذا جاء رد فعل خليل زادة باهتا ولا يسمن ولا يغني من جوع، ليظل السؤال الأهم قائما: من يتحمل جريمة تفكك وطن بأسره؟

لقد جاء تقرير اللجنة الدولية التي كلفت بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة متأخرا بعد أن دفع العراق من دماء شعبه ووحدته الوطنية وأمنه واستقراره وثرواته ثمنا لشهوة الغزو التي فرضت سطوتها على كل من الرئيس الأميركي جورج بوش وأركان إدارته المحافظين، كما أنحى التقرير الدولي باللائمة على الولايات المتحدة وبريطانيا في غزو العراق، مشيرا إلى أن معظم ما أعلنه العراق عن أسلحته خلال السنوات الأخيرة كان صحيحا، ملمحا إلى أن التلهف الأميركي والبريطاني على غزو العراق عرقل عمل اللجنة التي خضعت لقيد زمني ضيق قلص عمليات التفتيش وبالتالي قدرته على الوصول إلى نتيجة موثقة.

ولعل الأهم في تقرير اللجنة الدولية وتوقيته، انه يثير عدة تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي استند إليها دعاة الحروب في إدارة بوش لغزو العراق، خاصة بعد أن ثبت أن قيادات معينة في هذه الإدارة قد مارست ضغوطا على أجهزة الاستخبارات (لتفبرك) تقارير عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل حتى تتوفر الذريعة لشن حرب افتقرت إلى الحد الأدنى من الأسس القانونية والمنطقية والعقلانية.

خلاصة القول: العراق احتل أرضه، وشرد شعبه، وسلبت مقدراته، وتعددت طوائفه ، فعلى من تقع المسؤولية؟ وأي مصداقية للشرعية الدولية تلك التي تقف عاجزة أمام هذه الحقائق عن مساءلة أو إحالة كل من تسبب في غزو أرض الرافدين وتدمير بنيتها الحضارية والإنسانية إلى المحاكمة الدولية كمجرمي حرب؟ أسئلة كثيرة إجابتها يعرفها جيدا ساكن البيت الأبيض الذي تدنت شعبيته كثيرا داخل الولايات المتحدة لتصل حسب آخر استطلاع للرأي إلى واحد وثلاثين في المئة لتكون الأدنى التي يحصل عليه الرئيس بوش منذ توليه منصبه عام 2002.

haniihanii@hotmail.com