فيما تتواصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الإجراءات والإجراءات المضادة من قبل الطرفين المتصارعين في رام الله حيث جاء الرئيس محمود عباس وحكومة الطوارئ التي يرأسها الدكتور سلام فياض وفي غزة، حيث السيطرة العسكرية الكاملة لحركة حماس، وما تبقى من حكومة الوحدة الوطنية المقالة، برئاسة إسماعيل هنية ومعه أربعة وزراء من حماس، تتواصل في الوقت ذاته، الاحتمالات بدخول إقليم الشرق الأوسط صيفاً حاراً جداً.

في رام الله تبدو الأمور واضحة كما يقول رئيس حكومة الطوارئ فياض، الذي يعرف ما هو الهدف الذي يسير نحوه، وآليات تحقيق الهدف. الهدف بالنسبة للرئيس عباس ورئيس حكومته يتجه نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة يتحدد موعدها في ضوء نجاح آليات التحضير لها والتي تتطلب القضايا التالية: أولاً: مواصلة اتخاذ القرارات والإجراءات لرفع الغطاء الشرعي عن حركة حماس، واعتبار كل ما تقوم به في غزة، استمراراً لتداعيات الانقلاب العسكري الذي جرى في الرابع عشر من الشهر الماضي، وجعل قطاع غزة إقليماً متمردا على السلطة والشرعية.

ثانياً: يستدعي ذلك رفض الحوار والمصالحة مع من وصفه الرئيس عباس في خطابه أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بالانقلاب الدموي وهو ما أدى إلى إفشال اللقاء الذي كان سيجمعه بالعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي كان مقرراً أن يقع خلال زيارة الأخير للأردن. هذا الموقف أيضاً أحدث ردود فعل سلبية من قبل مصر التي دعى رئيسها حسني مبارك أكثر من مرة إلى الحوار والمصالحة. فبعد تصريح للناطق باسم الرئاسة المصرية سليمان عواد في السادس والعشرين من الشهر الماضي، وأعلن خلاله أن مصر والسعودية تريدان استئناف وساطتهما بين الفصائل الفلسطينية، بعد ذلك التصريح توقع الرئيس مبارك عقد مصالحة بين فتح وحماس وتسوية خلافاتهما عبر الحوار مبدياً استعداد مصر للتوسط، بعد شهر كحد أقصى كفترة هدوء يحتاجها الفلسطينيون.

وفي إشارة سابقة لاعتدال الموقف المصري بما يوفر لمصر القدرة على التوسط أعلن رئيس الوفد الأمني المصري اللواء برهان حماد، عن نية بلاده إعادة الوفد إلى غزة في أقرب فرصة ممكنة، وهو أمر لا يلاقي ترحيباً من طرف الرئيس عباس الذي يعتقد بأن الموقف المصري والعربي ينبغي أن يكون إلى جانب الشرعية الفلسطينية التي يمثلها. ثالثاً: مواصلة تشديد الحصار المباشر وغير المباشر على حركة حماس في قطاع غزة، بدون أن يتعرض سكانه لحصار، وفي هذا الإطار قامت حكومة فياض بإعفاء أهالي القطاع من كافة أنواع الضرائب حتى لا تصل الأموال إلى حماس، كما أعلنت عن صرف راتب كامل للموظفين باستثناء ما يزيد على ثلاثة وعشرين ألف موظف يحسب معظمهم على حركة حماس أو استجابوا للعمل معها.

وفي الإطار ذاته وعدا عن جملة من الإجراءات الأخرى، أصدر الرئيس عباس يوم 26/6، مرسوماً هاماً ذات طبيعة استراتيجية يحظر بموجبه كافة الميليشيات المسلحة وغير النظامية ويخرجها عن إطار الشرعية. المرسوم، جرى إصداره، بعد بحث معمق وتوافق مع حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى، الأمر الذي يقدم لفياض فرصة سيطرة الأجهزة الأمنية الرسمية وإنهاء المظاهر المسلحة في الضفة، بما يؤدي إلى تقديم نموذج مختلف للأمن من ناحية، ويعالج ظاهرة انتشار السلاح والمسلحين، وفي الوقت ذاته يشكل أصلاً مع خط رفع الشرعية عن الأذرع العسكرية للفصائل بما في ذلك كتائب الشهيد عز الدين القسام.

إسرائيل التي تقيم حساباتها وفق مصالحها الخاصة فقط، بادرت بعد ذلك، إلى إفشال خطة الرئيس وحكومة فياض، حيث استهدفت قواتها الاحتلالية مباشرة بعض المجموعات في نابلس من كتائب الأقصى، وفي جنين، الذين أعلنوا التزامهم بالتعاون مع مرسوم حل الميليشيات، وبالتالي خلقت وضعاً معاكساً، جعل هؤلاء يعلنون أنهم لن يتخلوا عن أسلحتهم طالما تستهدفهم قوات الاحتلال. رابعاً: آلية الوصول للانتخابات المبكرة تقتضي بالتأكيد معالجة ما يعتبره الرئيس عباس التمرد في غزة، ولذلك يطالب بإرسال قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني وتأمين الانتخابات.

غير أن القوات الدولية، لتحقيق الغرض الذي أعلنه الرئيس عباس، يعني أنه لا بد من خطوات تحضيريه فإما أن تكون هذه القوات التي تفضل إٍسرائيل أن تكون من حلف الناتو، كقوات قتالية، وإما أنها يفترض أن تنتشر بعد أن يكون طرف ما والأرجح أن إسرائيل هي المرشحة، لإضعاف حركة حماس في غزة. الممثل الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، اعتبر أن وجوداً دولياً ميدانياً سيكون ضرورياً في الأراضي الفلسطينية، وربما كان على الرباعية الدولية التي ستجتمع في القاهرة، بحضور كل من إيهود أولمرت والرئيس عباس أواسط هذا الشهر أن تناقش الموضوع لتتخذ بشأنه قراراً.

بالمقابل تعاني حركة حماس من ارتباك واضح، أو لنقل عدم وضوح الخيارات، وهي بالإضافة إلى مواصلة الدعوة، للحوار، تحاول توسيع علاقاتها العربية والدولية، واستثمار ما بيدها من أوراق. فبالإضافة إلى التزام الحركة بالتهدئة مع إسرائيل، حيث لا تطلق ولا تسمح بإطلاق الصواريخ رغم استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، تقدم رسالة أخرى عبر نجاحها في إطلاق سراح الصحفي البريطاني ألن جونستون عبر صفقة تمت مع زعيم جماعة جيش الإسلام ممتاز دغمش، الأمر الذي ينطوي على رسالة أخرى ووعد بإمكانية إتمام صفقة الإفراج عن الجندي الإسرائيلي المختطف منذ 25/6/2006، جلعاد شاليط.

رسالة حماس، تقول بأنها القادرة على فرض الأمن، والحرص على ما تقدمه من التزامات، وبأنها مستعدة للاستجابة بحدود مع متطلبات العمل السياسي، ومن ذلك تطمين المجتمع الدولي، والمحيط العربي، بأنها لا تسعى لإقامة إمارة إسلامية في قطاع غزة، رغم أن ذلك حسب أحد قادة حماس الدكتور الزهار لا يمنع من إقامة مجتمع إسلامي. على خط معاكس، تواصل التمسك ببقايا حكومة هنية المقالة، وتواصل اتخاذ ما تستطيع من إجراءات مضادة لما تتخذه حكومة فياض، وبدون أن تظهر عليها علامات التراجع.

فازاء القوات الدولية التي يطلبها عباس، تعلن كتائب الشهيد القسام، بأنها ستضرب أي قوة دولية تدخل غزة، وتصنف رئيس حكومة الطوارئ الدكتور سلام فياض بأنه خائن ومطلوب لها، فيما القيادي في حماس مروان أبو راس يعلن خلال ورشة عمل أقامها المجلس التشريعي تحت عنوان النظام السياسي إلى أين، يدعو «المقاومة في الضفة إلى التحضير للقيام بخطيئة كما حدث في قطاع غزة لحماية نفسها» حيث قال قبلها «إن ما حصل في غزة خطيئة تحتاج إلى مغفرة».

وبين وعد من الرئيس عباس يطلقه من باريس خلال زيارة له في 29/6، بأن تكون السيطرة لحماس على غزة مؤقته، ولذلك يدعو بأن لا يشكل ذلك ذريعة لتجميد عملية السلام، ووعود حركة حماس بمواصلة السيطرة على قطاع غزة، وربما تكرار ما جرى في الضفة ومواجهة إجراءات عباس بما في ذلك القوات الدولية، تتبخر كل دعوات الحوار والمصالحة لتفسح المجال أمام المزيد من القطيعة والانقسام، وعمليات الحسم.

على أن عمليات الحسم، لا يمكن أن تتم فقط عبر الإرادات الفلسطينية المتصارعة، فلقد انتقل الأمر برمته إلى مستوى السياسات الدولية والإقليمية، فإن ذلك يعني أن المنطقة مقبلة على أحداث خطيرة. المشهد الذي ترتسم معالمه في الإقليم يقول بأن السياسة الأميركية في العراق بلغت حد اليأس من إمكانية نجاح خياراتها، وإلى حد ما ينطبق الأمر على أفغانستان وبأن تحقيق نقلة في هذه السياسة تقتضي معالجة إيران التي تشكل من وجهة نظر الإدارة الأميركية والكثير من مراكز السياسة الدولية والإقليمية، العنصر الفاعل المشترك في معظم الأزمات في المنطقة بما في ذلك فلسطين ولبنان.

إسرائيل التي تجد في تطورات الأحداث فرصة تاريخية للارتفاع بمكانتها ودورها إلى مستوى الشريك في الحلف الدولي لمكافحة الإرهاب، وأيضاً فرصتها في توسيع نفوذها في الإقليم، واستعادة الهيبة لجيشها، إسرائيل لا تزال تواصل تقديم إشارات واضحة إلى أنها مستعدة للعب دور رئيسي حيث تتواصل المناورات الجوية بالاشتراك مع قوات البحرية الأميركية، ومناورات أخرى في الجولان.

ويتعزز هذا الاتجاه من خلال قرار ايهود أولمرت بإسناد معالجة الملف الإيراني للوزير المتطرف أفيغدور ليبرمان علاوة على أن الجيش الإسرائيلي يقف على رأسه الآن جنرال مشهود له، وهو إيهود باراك، الذي لا يتوقف عن الإعلان عن أنه سيعمل على ملاحقة الإرهاب، واستعادة جيشه هيبته التي فقدها. للتأكد من اتجاه تطور الأحداث اللاحقة، علينا أن نقرأ بتمعن ما ستناقشه الرباعية الدولية في القاهرة، وما سيصدر عنها، غير أن ما يصدر حتى الآن من إشارات يؤكد أن المنطقة مقبلة على أحداث وتطورات عاصفة.

كاتب فلسطيني