لن تستطيع جولة الدوحة للتنمية النهوض هذه المرة، أقله على مدى السنتين القادمتين إلى حين انتهاء انتخابات الرئاسة الأميركية.
تعثرت على الرغم من كل محاولات أحيائها والنداءات التي أطلقها باسكال لامي رئيس منظمة التجارة العالمية خلال جولاته حول العالم. وبالرغم من ان الفشل تبدى منذ سنة 2006 مع عدم الاتفاق على صيغة لخفض التعريفات والدعم على المنتجات الزراعية، إلا أنه أصبح الآن في حكم المؤكد مع انتهاء مهلة العمل بالقانون المعروف باسم «فاست تراك» في 30 يونيو 2007 وقيام الكونغرس الأميركي بسحب صلاحية الرئيس جورج بوش في ما يخص التفاوض لعقد اتفاقات تجارية.
غرقت جولة الدوحة في اضطرابات السياسة الداخلية الأميركية، وهناك في الكونغرس من سيسعى من اليوم إلى مناجاة قلق الناخب الأميركي المتزايد حيال خسارة الوظائف مع تزايد أشكال التعهيد التي تمضي بها الشركات الأميركية والدعوة إلى المزيد من الحمائية، هذه الحمائية التي شهدنا فصولها في السنوات الأخيرة تحت ذريعة ما يسمى مخاوف بشأن الأمن القومي، والتي وجدت فيها الدول تقويضا لنظام التجارة العالمية والتفافا على قواعدها.
ويشكل العمل على تقليص الحمائية الدافع الرئيسي لإنشاء اتفاقية «الجات» المعنية بتحرير المبادلات التجارية، وكانت جولات الجات المتعددة قد قامت بتقليص القيود التعريفية لمدة تمتد أكثر من نصف قرن، لكن مع بدايات ثمانينات القرن الماضي ازدادت الحمائية حدة مع توسع التكتلات الاقتصادية وازدياد حجمها، وكان لزاما في ظل هذه الأوضاع ان يجري الاتفاق على إطار متعدد الأطراف ينقذ النظام التجاري العالمي من التقهقر.
تم الاتفاق في نهاية جولة اورغواي للمفاوضات على تخفيضات تعريفية جديدة واسعة، كما جرى التوقيع على جملة قوانين تنظيمية خاصة بإلغاء القيود وكان الجديد منها أنظمة تخص تحرير التجارة بالخدمات وإجراءات الاستثمار عوضا عن إدخال الملكية الفكرية الخاصة بالتجارة، وكلها اتفاقيات تخدم مصالح الدول المتقدمة في المقام الأول في حين بقيت منتجات الدول النامية وراء أسوار عالية من الحمائية. وافقت الدول النامية على الانضمام إلى اتفاقية منظمة التجارة العالمية وما حصلته من الدول الغنية كان مواكبا لميزان القوى القائم، لذا جاءت النتائج دون التوقعات بالنسبة لها. استطاعت الدول النامية إدخال بعض المنتجات ذات الأهمية التصديرية الخاصة لها كالزراعة والمنسوجات إلى الاتفاقية، لكن إدخال هذه المنتجات لم يلب طموحات هذه الدول، فقد بقيت الحمائية مرتفعة جدا حتى في هذين القطاعين.
والمحصلة النهائية جاءت كالتالي بحسب الممثل التجاري الأميركي السابق: الدول النامية تدفع تعريفات أعلى على صادراتها إلى الولايات المتحدة مما تفعل الدول الغنية، فقد دفعت منغوليا إلى الولايات المتحدة رسوما تعريفية 13 مليون دولار عام 2004 على صادراتها البالغة 240 مليون دولار أكثر مما دفعت النرويج على صادراتها البالغة 5,6 مليارات دولار إلى الولايات المتحدة، كما حصلت واشنطن قيمة رسوم تعريفية من بنغلادش على صادرات بقيمة ملياري دولار توازي قيمة الرسوم التعريفية التي حصلتها من فرنسا على صادراتها البالغة 30 مليار دولار.
أما الدعم الهائل الذي يدفع إلى المزارعين في الدول الغنية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان فخسائره على الدول النامية لا يمكن حصرها، فهو أولا يبقى العديد من المنتجين الكفئين في هذه الدول خارج الإنتاج مما يؤدي إلى فقدان الوظائف بالإضافة إلى خسائر بملايين الدولارات من إيرادات النقد الأجنبي الضرورية لنمو هذه الدول وتطورها.
وبالرغم من ذلك، نجد ان الدول الغنية خلال جولة الدوحة الأخيرة تحاول قدر الإمكان مقايضة تخفيض إضافي في المجال الزراعي لديها بفتح أسواق الدول النامية لصادراتها غير الزراعية ولاستثماراتها في قطاع الخدمات، وهو الأمر الذي أثار رد فعل معارض من الدول النامية، كما دفع من جهة أخرى بـ 160 من مؤسسات المجتمع المدني مؤخرا إلى المطالبة بوقف الضغوط التي تمارس على الدول النامية لفتح أسواقها أمام مؤسسات الدول الصناعية، لا سيما لفتح قطاعات المال والطاقة والمياه والسياحة والتوزيع والنقل، كما أن بعض الدول الآسيوية بدأ يطالب بآلية وقاية طارئة من الإضرار الناتجة عن تدفق الواردات في مجال الخدمات.
لقد أعطيت الدول النامية في إطار منظمة التجارة العالمية ما يسمى معاملة خاصة وتفضيلية، وهذه المعاملة هي عبارة عن فترة سماح عشر سنوات إعفاء من التخفيضات أو الالتزام ببنود بعض الاتفاقيات، لكن ما نفع هذه السنوات العشر طالما ان فلسفة تحرير التجارة على هذا المنوال لا تسمح بنشر منافع العولمة بالتساوي على الجميع!